القاهرة في عهد العثمانيين:
رغم سيطرة العثمانيين على معظم بلدان أوروبا لم يتجاهلوا بلاد الشرق لما
لديهم من إدراك بأهميتها من حيث الثراء والموارد والقيمة الاستراتيجية التي تكفل
لمن يسيطر عليها القوة والبأس وما تحفل به بلاد الشرق من حضارات عظيمة أنتجت علمًا
أضاء العالم لقرون طويلة وكانت مصر مركز هذه الحضارة
قرر سليم الأول السلطان العثمانى غزو الدولتين العظميين في بلاد الشرق مصر
وإيران فبدأ بإيران وقام بغزوها وأنزل بالشاه (حاكم) إيران إسماعيل الصفوى هزيمة
منكرة وبدأ يعد العدة لغزو مصر واالشام
اختلق سليم الأول المعاذير لغزو مصر والشام فاتهم السلطان قنصوة الغورى أنه
عقد تحالفًا سريا مع شاه إيران إسماعيل الصفوى كما اتهمه بإيواء العثمانيين
الفارين منه وأحس الغورى بما يبيته العثمانيون وكان حينها في السبعين تقريبًا من
عمره والتقى الجيشان في مرج دابق على مسيرة يوم شمال حلب وأسفرت المعركة عن انتصار
العثمانيين بفضل الخيانة وبث الفتنة في صفوف جيش قنصوة الغورى واستولى سليم الأول
على حلب ثم دمشق وأصبح الطريق ممهدًا لغزو مصر
التقى جيش سليم الأول بالجيش المصرى يقوده طومان باى (آخر حكام المماليك)
في الريدانية وفيها انقسم العثمانيون إلى فريقين أحدهما جاء من تحت الجبل
الأحمر وهاجم القسم الآخر معسكر الريدانية وبعد ساعات قليلة هُزِم المماليك وولوا
الأدبار فظل يقاتل ومعه نفر قليل من العبيد والمماليك السلحدارية ولكن الهزيمة
حاقت بهم في النهاية واضطر طومان باى إلى الهروب والاختباء لدى أحد مشايخ العربان
في البحيرة ولكنه خانه وسلمه إلى العثمانيين وتم شنقه على باب زويلة أحد أبواب
القاهرة وكان عمره حينها أربعين عامًا وبذلك سقطت مصر في أيدى العثمانيين وأصبحت
ولاية عثمانية
لم يطرأ على القاهرة في عهد العثمانيين أي تغيير أو تبديل ولم تتسع مساحتها
عما كانت في عهد المماليك ولم تساير الزمن في تقدمه بل أصابها الجمود وظلت هكذا
طوال العهد العثمانى وتقهقرت ودب فيها الضعف وانتشر الفقر كما أراد لها سليم
الأول، انتشرت الفتن والثورات وكان الثوار يتخذون من المساجد حصونًا لهم وخاصة
جامع أحمد بن طولون والسلطان حسن فتصدعت جدرانها وأصابها كثير من التلف والدمار
تحول حى القلعة إلى خراب وتحولت قصور الأغنياء إلى أحواش فانتقل أهلها إلى حى بركة
الفيل والأزبكية كسكن بديل للأمراء والخاصة من الناس
عاصر المؤرخ المصرى ابن إياس صاحب المؤلف التاريخى ( بدائع الزهور في وقائع
الدهور) حكم العثمانيين وقال في ذلك إن سليم الأول أمر بحبس ألفين من المصريين من
رجال الحرف والصناعات وكبار التجار والقادة والأعيان والأمراء في أبراج الإسكندرية
وخاناتها انتظارًا لقيام المراكب بهم إلى القسطنطينية (عاصمة الدولة العثمانية)
وكان قد نزع من مصر والقاهرة أثمن ما فيها من منقول وثابت حتى الأخشاب والبلاط
والرخام والأعمدة ومجموعة المصاحف والمخطوطات والمشاكى والكراسى النحاسية
والمشربيات والشمعدانات والمنابر
لقد عمل السفاح سليم الأول على طمس معالم الحضارة بالقاهرة لصالح تعمير
القسطنطينية متأسيًا بهولاكو ما أحدثه من تدمير ببغداد وكان الولاة المكلفين
بالحكم في القاهرة من قِبَل العثمانيين لا هم لهم سوى جمع المال لأن مدة بقائهم
قصيرة وكانت تلك سياسة العثمانيين حتى لا ينفرد الوالى بالحكم ولكن رغم كل هذا
الظلام ظل قبس من نور الماضى يلمع في أفق القاهرة وقام بعض التجار ورجالات من
العهد السابق بتشييد بعض القصور والمساجد ولكنها لم تكن كمثيلاتها في عهد المماليك
نورد بعضًا منها
أهم المنشآت :
1ـ مسجد المحمودية يقع بميدان صلاح الدين وشرقى مسجد السلطان حسن أنشأه
محمود باشا أحد ولاة الأتراك عام 975 هـ 1567م وهو مرتفع عن مستوى الشارع ويُصعَد
إليه بسلم وفي جدار المحراب باب يوصل إلى قبة ملحقة بالمسجد وهذا التصميم مقتبس من
مسجد السلطان حسن
2ـ مسجد الملكة صفية بشارع القلعة (محمد على سابقًا) أمرت بإنشائه الملكة
صفية والدة السلطان محمد خان الثالث عام 1019هـ 1610م مرتفع عن مستوى الشارع ويصعد
إليه بسلالم دائرية يتكون من جزأين الصحن والقبة شرقى الصحن يوجد منبر من الرخام
المزخرف
3ـ جامع محمد أبو الدهب شيده محمد أبو الدهب والى مصر عام 1187هـ 1773م له واجهتان شرقية تواجه الجامع الأزهر
والثانية بحرية تطل على ميدان الأزهر والمسجد عبارة عن قبة بها محراب رخام يجاوره
منبر مطعم بالصدف
تجديد الجامع الأزهر الشريف:
قام الأمير عبد الرحمن كتخدا بعمل إصلاحات بالجامع الأزهر فزاد في سعته
بمقدار النصف تقريبًا وأنشأ قبلة للصلاة ومدرسة لتعليم اليتامى وصهريجًا للمياه
وقبرًا له دُفِن فيه ولقب بالمصلح الكبير والمحسن العظيم ويقول الجبرتى أنه أنشأ
مقصورة في الجامع الأزهر مقدار النصف طولا وعرضًا وبنى محرابًا جديدًا وأنشأ له
بابًا عظيمًا وقام عثمان كتخدا القزدوغلى ببناء زاوية في الأزهر يصلى فيها العميان
سميت بزاوية العميان وأنشأ مسجدًا بميدان الأوبرا


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق