الأربعاء، 28 يناير 2026

حكايات التاريخ حكاية الصحافة (5)

 

تابع صحافة الفكاهة:

تحدثنا في المقال السابق عن نشأة الصحافة الفكاهية وكانت مصر هي من ابتكرت هذا اللون من الصحافة وقد ارتبط بالسخرية من المستعمر وفضح الفساد بأسلوب ساخر وتعتبر صحافة الفكاهة هي الصحافة التي انفردت باستخدام العامية في كتاباتها

في عام 1928م أصدر بديع خيرى مجلة فكاهية اسمها( 1000صنف) وكانت أسبوعية وكانت من القطع المتوسط في 24 صفحة تميزت بأبيات زجلية على غلاف العدد فيها دعوة إلى الإقبال على الحياة والتفاؤل ونبذ الهموم جاء فيها:       الدنيا دى زى العقرب     اضربها صرمة تعيش مرتاح

كان بديع خيرى يحررها بمفرده ولكنها احتجبت بعد انشغاله بالكتابة للسينما والمسرح

في عام 1930م خرجت جريدة ( المطرقة ) ومؤسسها أحمد شفيق في عهد رئيس الوزراء صدقى باشا وكانت مجلة فكاهية من القطع الطويل وكانت لسانًا شعبيًا لحزب الوفد حزب الأغلبية تنشر الفكاهات والأزجال وتسخر من حكومة صدقى باشا وتساند النحاس زعيم حزب الوفد وكان صاحبها يحرص على التقاط صور له مع النحاس وهو يتصفح الجريدة وكان ذلك يزيد من انتشار الجريدة خاصة حينما تصادر الحكومة أعدادًا للصحيفة أو تلقى القبض على رؤساء تحريرها

أهم الأبواب التي تنشرها المطرقة: (حديث خالتى أم إسماعيل) و(المشعلقات) و(المشهورات) و(القهوة البلدى) (وع الأرغول) و(ميدان الزجل) وكان بها تعليق على الأخبار ولكن كانت أبوابها ثابتة فلم تطور من نفسها واصابها الجمود حتى توقفت عن الصدور

في عام 1934م أصدر الصحفى حينها والمخرج السينمائى فيما بعد حسين فوزى مجلة (1000نكتة  ) من الإسكندرية كانت مجلة صغيرة الحجم موجهة للأطفال والصبيان أكثر من الكبار واهتمت بنشر القصص الخيالية ولم تستمر

في عام 1935 خرجت مجلة (روزاليوسف) على حزب الوفد واعُتبر هذا موقفًا ضد التيار فقد كان الشعب المصرى حينها وفديًا لذا تأثر توزيعها ورغم ذلك يُعد هذا موقفًا شجاعًا نبيلًا صمدت فيه رغم الخسائر إيمانًا بالفكرة حيث كانت هي الجريدة الوحيدة المعارضة لحزب الوفد ونذكر هنا أيضا أنها فى فبراير من ذات العام أصدرت أول عدد يومى للجريدة وواجهت صعوبات كثيرة لانتقادها حزب الوفد في هذه الظروف حسبما يروى الأستاذ عبد الله أحمد عبد الله في كتابه (الصحافة الفكاهية في مصر) أن روزاليوسف استحدثت بعد عامين مجلة فكاهية أطلقت عليها اسم (مخلب القط) كان يقوم بتحريرها وحده الأستاذ وليم باسيلى وكان اسم المجلة سخرية من مقالات يكتبها نجيب الهلالى باشا أخر رئيس وزراء فيما بعد في حكومة االملك قبل قيام ثورة يوليو 1952م وكان وليم باسيلى يقلد مقالات الهلالى بأسلوب فكاهى ساخر معارضًا لسياسة الوفد وأدت المجلة الجديدة إلى رواج المجلة الأساس (روزاليوسف)

وأدت مقالات باسيلى إلى سجنه في النهاية واستطاع الهرب قبل التحقيق معه وحينما أدت مخلب القط مهمتها بنجاح توقفت عن الصدور بتوقف مقالات الهلالى باشا

في عام 1938م عقب عودة بيرم التونسى من المنفى أصدر مجلة فكاهية بعنوان (ياهووه) تميزت بسخريتها اللاذعة ولم تستمر طويلًا لقيام الحرب العالمية الثانية وانخراط بيرم للكتابة للسينما والمسرح

والملاحظ هنا أن المجلات الفكاهية لم يُكتب لها الاستمرار طويلًا سواء المجلات التي تحدثنا عنها أو المجلات التي لم يتم ذكرها في هذه السلسلة من المقالات ولكن جريدة واحدة هي التي كُتب لها الاستمرار وارتبطت نشأتها بحدث هام في تاريخ المصريين وهى موضوع المقال القادم بإذن الله تعالى 

الخميس، 22 يناير 2026

حكاية الصحافة(4)

 

الصحافة الفكاهية

عُرف المصريون بخفة ظلهم وتفرد نكاتهم كما اشتهروا بسخريتهم اللاذعة في مواجهة الهموم والأحزان كدرع واقٍ يحميهم من تملك الهموم من نفوسهم فلا عجب أن تكون أول صحيفة للفكاهة عرفها الوطن العربى في مصر

في الحادى والعشرين من ربيع الأول عام 1295هـ الموافق عام 1877م أسس يعقوب صنوع (رائد المسرح الحديث) أول صحيفة فكاهية في مصر والمنطقة العربية تحت عنوان (أبو نظارة زرقاء) وتحت عنوان الصحيفة كتب عبارة جريدة مسليات ومضحكات ويبدو اسم الجريدة غريبًا

يعقوب صنوع

فما سبب تسميتها بهذا الاسم؟! حسبما يروى صنوع أنه اجتمع بصديقيه الشيخ الإمام محمد عبده والشيخ الأفغانى ببيت الأفغانى لاختيار اسم للجريدة لم يسفر الاجتماع عن شئ وبعد انصرافه اتجه لتأجير دابة ينتقل بها إلى بيته فتسابق مؤجرو الدواب للفوز بصنوع ليؤجر حماره واثناء ذلك كانوا ينادونه يا (أبو نظاره) ليلتفت إليهم فأعجب بهذا اللقب الذى رآه يشير إلى رجل بعيد الرؤية ملهم

تميزت جريدة أبى نظارة زرقاء بالكتابة باللهجة العامية المصرية وكان صنوع أول من استعملها في الصحف وكانت الصحيفة فكاهية ساخرة لاذعة تصدت بجرأة لكل مساوئ الخديوى إسماعيل وحينما استشعر الخديوى خطورتها تم إغلاقها ونُفى صنوع إلى باريس فاستمر يصدرها من باريس ثم أصدر عدة مجلات ساخرة فكاهية منها أبو زمارة، وأبو صفارة، والنظارات المصرية والحاوى وغيرها من المجلات الفكاهية

تُعد الثورة العرابية هي أبرز الأحداث في عهد الخديوى توفيق وقد انطلق الصحفيون والأدباء يدافعون عنها وكان من أبرزهم عبد الله النديم الذى أسس مجلة (النديم) وسط نيران الثورة المتأججة ويُعد عبد الله النديم شاعر وخطيب الثورة العرابية وكان لأسلوبها الساخر وفكاهاتها أثر كبير في تأييد الثورة العرابية التي تصدت للاحتلال البريطاني فانطلق الاحتلال يلاحق الصحفيين العرابيين واستطاع النديم الاختفاء في الريف متنكرا في ظل هذه الظروف أنشأ النديم مجلة أخرى ساخرة هي (التنكيت والتبكيت)

كانت لونًا مسليا للشعب المقهور واقتصرت على نشر الفكاهات وفيها نشأ فن (الأدباتى) وهو فن يعتمد على نظم الأشعار ولكن النديم ابتكر له مذهبًا ثابتًا لكل قصيدة يقول فيه:

أنا الأديب الأدباتى               ألم عيش تحت بطاطى

وألف أنشد وأهاتى               شرم برم حالى غلبان

                شرم برم حالى غلبان

في عام 1908م تم إصدار صحيفة فكاهية ساخرة تحمل اسم (البعبع) لمؤسسها رضوان فريد وكان المقصود من عنوان الجريدة إخافة مسئولي الحكم والإدارة المتعاونين مع المستعمر الإنجليزى وصدرت الصحيفة في الإسكندرية وكتب رئيس التحرير تحت عنوانها بيتان من الزجل هما:

جريدة هزلية لطيفة           فيها الفكاهات والأنكات

بقرش واحد تعريفة          آخر تمنها خد وهات

اشتملت الصحيفة على مقالات وتعليقات وآراء شتى ذات مغزى ضاحك وساخر من أحوال البلاد والعباد وانتشار الفساد بين ربوع مصر وإهمال الحكام شئون الشعب واحتياجاته اليومية الضرورية من السلع والمرافق في العد السابع من الصحيفة في عامها الأول بتاريخ 18 ديسمبر عام 1908م ورد مقال تحت عنوان (الإنسانية والحيوانية والواجبات الوطنية) ولكن البعبع لم تؤثر في المسئولين لاستمرار الحال على ما هو عليه

وهنا يتوقف حديثنا عن الصحافة ولا ينتهى فللحديث بقية بمشيئة الله

الخميس، 15 يناير 2026

جمال عبد الناصر شمس لا تغيب بقلم جيهان محمود أحمد

 

في مسيرة الحياة شخصيات حفرت اسمها في تاريخ البشرية كما حفر الفراعنة مآثرهم على الحجارة فعاشت آلاف السنين وخلدت أسماء من تركوها رغم رحيلهم عن الحياة

وتاريخنا يحفل بالكثيرين الذين تحدث ما تركوه عنهم رغم رحيلهم عن الحياة  ومن هؤلاء الزعيم جمال عبد الناصر الذى تحل ذكرى ميلاده هذه الأيام فنتذكر معها كيف احترق ليُضيئ مصر بنور الكرامة والعزة وماذا قدم ليصبح شمسًا تأبى الغروب رغم مرور عقود وعقود يظل حاضرا في مشهد الحياة لا يغيب

فمنذ قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 المجيدة وقبل أن يصبح رئيسًا للبلاد في الخامس والعشرين من يونية 1956 حتى وفاته في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 وهو لا يألو جهدًا لإنجاز ما لم يكن تتسع له  مساحة عمره الزمنية لتنال مصر مكانتها تحت الشمس بل كان يحلم أن تعود شمس حضارتها بعد الثورة بأيام قلائل تحقق الإصلاح الزراعى في التاسع من سبتمبر 1952 وهو تاريخ يوافق اليوم الذى ثار فيه الزعيم أحمد عرابى في وجه الخديوى توفيق ثم توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954 وجلاء الإنجليز النهائي يوم الثالث عشر من يونية 1956 ورحيل آخر جندي إنجليزى عن أرض مصر ويتوافق هذا التاريخ مع حادث دنشواى الأليم وبتأمل يسير لهذه التواريخ نراها تبرز وعيه بتاريخ وآلام المصريين وكأنه رد اعتبار ضمنى للمصريين

وجاء عام 1955 وإزاء رفض الغرب إمداده بالسلاح جاء رده جريئًا بكسر احتكار السلاح والاتجاه إلى الكتلة الشرقية للحصول عليه فلا يمكنه التنمية بدون سلاح يحمى دولته الجديدة لقد كان السلاح مشكلة المشاكل بسبب حظر الغرب السلاح على مصر بدعوى تحقيق توازن القُوى في المنطقة ويتلخص في مد الصهاينة بالسلاح ومنعه عنا !!!

وجاء عام 1956 حين أصبح رئيسًا لمصر ليواجه تحديًا أكبر وهو مشروع العمر الذى سينقل مصر من الظلام إلى النور عماد التنمية مشروع السد العالى أعظم إنجاز في القرن العشرين وكالعادة وقف الغرب حجر عثرة في طريق التنمية وهنا كان الرد بعيدًا عما تخيل الغرب في خطوة جريئة قام بتأميم القتاة ليصيب الغرب كله بصدمة لم تفُق بريطانيا تحديدًا منها حتى اليوم فمازالت كل عام في ذكرى التأميم  تستعيد أرشيف الصحف وما جرى في هذا اليوم الذى احتفل به المصريون والعرب ببدء عهد جديد من الاستقلال والكرامة وقررت إزاء ذلك إنجلترا وفرنسا ومعهم العصابة الصهيونية بالعدوان الغادر على مصر ولم يقبل جمال عبد الناصر الاستسلام بل أعلن المقاومة فالموت دفاعًا عن حقنا في الحياة أشرف من الحياة في مذلة ومهانة وانتصرت إرادة مصر وخرج العدوان يجر أذيال الخيبة لتصبح حرب السويس الأزمة الأعظم لبريطانيا حتى يومنا هذا وتتحول مع حليفتها فرنسا من منزلة الدول العظمى إلى دول من الدرجة الثالثة وتمنح حرب السويس الأمل لكل من يحلمون بالحرية والاستقلال ويعتزل رئيس وزراء بريطانيا أنتونى إيدن السياسة للأبد ويبقى ناصر مرفوع الهامة

وانطلقت ملحمة التنمية في مصر من الزراعة واستصلاح ملايين الأفدنة إلى الصناعة وإنشاء المصانع لتحقق مصر استقلالًا اقتصاديًا يغنيها عن ذل السؤال وكما يقول المثل كانت تصنع  من الإبرة إلى الصاروخ وأبرز دليل تجربة صاروخى القاهر والظافر لتصبح مصر شمسًا تضئ في كل مكان تساند كل حركات التحرر ملجأً ونصيرًا لكل ضعيف مقهور

وكان لابد لكل ذلك أن يتوقف وجاءت معركة 1967 وأصيبت مصر بهزيمة كبرى ولكنها تعاملت مع الهزيمة بمنطق مغاير لألمانيا حين هزمت في الحرب العالمية الثانية واليابان فلم تستسلم مصر مثلهما بل أعلنت حرب الاستنزاف التي كان وقعها على العدو أشد من حروبه كلها لأنها حرب استمرت ثلاث سنوات متتالية لم يعتد العدو إلا على الحروب الخاطفة حتى صرخ الصهاينة يطلبون وقف الحرب في ذلك الحين أعاد الرئيس بناء الجيش والاستعداد للحرب وأنشأ حائط الصواريخ وقام بعمل300 تجربة على مضخات المياه التى أوقعت بخط بارليف حسبما روى زكى باقى يوسف صاحب الفكرة العبقرية ولكن القدر لم يمهل الرئيس ليرى النصر حيث وافته المنية في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970

مارويناه غيض من فيض فما قدمه لا يُحصى ولا يُعد وحضوره الدائم بما تركه لخير الناس يتوافق مع كلام الله عز وجل الذى قال في محكم آياته (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) رحم الله الزعيم وأسكنه فسيح جناته

 

 

 

 

 

 


الخميس، 8 يناير 2026

حكاية الصحافة (3)

 

توقفنا في المقال السابق عند انهيار الثورة العرابية ومصادرة الصحف المساندة لها (الصحف العرابية) وملاحقة الصحفيين المساندين لها والقبض عليهم لوأد الحركة الوطنية

فهل انتهت بذلك الصحافة الوطنية؟

بالقطع لم يحدث قرر محمد عبده وجمال الدين الأفغانى إصدار صحيفة مناهضة للاحتلال البريطانى من باريس عاصمة فرنسا ولكن لماذا فرنسا بالتحديد؟



فرنسا هي العدو الأول لبريطانيا والعدو اللدود في ذلك الوقت فكان من السهل عرض آرائهم المناهضة للاحتلال بدون التضييق عليهم أو مصادرة الصحيفة 

 أصدر محمد عبده وجمال الدين الأفغانى صحيفة العروة الوثقى يوم الخميس 15 من جمادى الأولى عام 301 هـ - 13من مارس عام 1884م   وتعتبر أبرز الصحف المناهضة لإنجلترا خاصة بعد احتلالها لمصر رسميًا ورغم أنها لم تستمر طويلا فقد توقفت في نفس عام إصدارها إلا انها سببت الكثير من الإزعاج والقلق لبريطانيا التي كانت تمنع وصولها إلى مصر والسودان والهند هى ذات الدول التي كانت تحتلها بريطانيا رسميًا

كيف واجهت بريطانيا الصحافة الوطنية؟

قررت بريطانيا مواجهة الصحف الوطنية بنظرية لا يفل الحديد إلا الحديد أي مواجهة الصحافة بالصحافة فأنشأت صحفًا موالية ومدافعة عنها كان أبرزها صحيفة المقطم التي أُصدرت في14 من فبراير عام 1889م وكانت صحيفة تجارية سياسية أدبية أصدرها فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس وكان هدف هذه الصحيفة الخائنة حماية مصالح الإنجليز والدعاية لها توقفت هذه الصحيفة عام 1952م أى تزامن توقفها مع ثورة يوليو

كيف واجه المصريون الصحف الموالية للاحتلال؟

استنفرت الصحف العميلة للإنجليز المصريين للدفاع عن استقلال الوطن فأصدر الشيخ على يوسف والشيخ أحمد ماضى أول صحيفة لمواجهة الاحتلال البريطاني وصحفه العميلة  وهى صحيفة المُؤيَّد في أول ديسمبر 1889م وكان أبرز كُتابها مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية بعد الزعيم أحمد عرابى ومناهض قوى للإنجليز ولم يتوقف عند الكتابة ضد الاحتلال بل أصدر صحيفة اللواء في 2 يناير 1900م وتعد صحيفة اللواء هي البداية الحقيقية لصحيفة تقوم بصياغة رأى عام مناهض للاحتلال كما أنها تعد البداية الصحفية لزعامة مصطفى كامل السياسية



أقدم الصحف الباقية حتى اليوم

من خلال ما تم سرده عن بداية الصحافة وما طرأ عليها من تغيير وتطوير نستخلص أن أقدم صحيفة رسمية مازالت تصدر حتى يومنا هذا هي الوقائع المصرية وهى ملحق بالجريدة الرسمية وينشر بها القرارات الرسمية الصادرة عن الرئيس والحكومة ومجلس الشعب وأقدم صحيفة أهلية مازالت تصدر حتى يومنا هذا هي الأهرام كما رأينا كيف حاول المستعمر خداع المصريين من خلال صحفه الخائنة والتي واجهها المصريون بالصحف الوطنية مصداقًا لقوله تعالى

(بل نضرب بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)

وهنا يتوقف حديثنا عن الصحافة ولا ينتهى وللحديث بقية بإذن الله تعالى

الأربعاء، 7 يناير 2026

لسنا ملائكة ولا شياطين




محاولة لفهم البشر وما يصدر عنهم من أفعال خارج حسبة الملائكة والشياطين فقد خلقنا الله بشرًا نخطئ ونصيب وقد قدم الدكتور يونان لبيب رزق رحمه الله أستاذ التاريخ الحديث رحمه الله شهادة للتاريخ مسلسلة في الصحف في الماضى عن رؤساء مصر وضع قاعدة هامة بنى عليها حكمه أن الإنسان مجموعة من الإيجابيات والسلبيات والمحصلة النهائية هي ما يقيم شخصيته وبناء على ما سبق يكون  الرئيس جمال عبد الناصر بشرًا مثلنا جميعا يخطئ ويصيب  فإن كان ما أصاب فيه وما قدمه من صالح الأعمال أكثر مما أخطأ وأساء فيه سيكون التقييم لصالحه وإن كان نقيض ذلك فالتقييم ضده والحقيقة أن ما أنجزه من خير ومن صالح الأعمال في عمره القصير لمجتمعه وللقطر العربى بل وخارجه للدنيا بأسرها كانت كثيرة لا تحصى ولا تعد تزيد عما أخطأ فيه ولا يتسع الوقت للكلام عما أنجز من أعمال انتفع بها الكثيرون وتم التعتيم عليها وإن لم يكن له من أعمال صالحة في الدنيا سوى السد العالى واستعادة القناة فقد كفى ووفى وهذه رؤيتى له بعيدا عمن يعبدونه ومن يلعنونه فكلاهما متطرف ومن يطلقون الأحكام بتصيد موقف بعيدا عن الصورة الكاملة أراه ظلما بينا وفى النهاية لله في حكمه على الخلائق موازين مصداقا لقوله تعالى  (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖوَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ)

  

الخميس، 1 يناير 2026

حكاية الصحافة (2)

 

انتهى حديثنا الماضى حول نشأة الصحافة في مصر والتي ارتبطت بالغزاة من الفرنسيين إلى محمد على واحتكرتها الجهات الرسمية ولكن متى عرفت مصر الصحافة الأهلية؟

كانت أولى الصحف الأهلية صحيفة (وادى النيل) التىى أصدرها عبد الله أفندى أبو السعود وصدر العدد الأول منها في الخامس من يوليو عام 1867 كانت صحيفة أسبوعية سياسية علمية أدبية تجارية صناعية زراعية أي أنها تكتب في كل مجالات الحياة

تميز أبو السعود بأسلوبه الأدبى الجذاب فقد كان تلميذا لرفاعة الطهطاوى وكان مترجما ماهرا

كتب أبو السعود في افتتاحية العدد الأول: ( إن الخديوى إسماعيل استحق أن يُلقب بمحيى مصر وإمام العصر وحكومته كالطبيب الحاذق والحبيب الموافق أعدت لكل داء دواؤه وسدت لكل خلل بما يليق في السداد سواء بسواء وما ذلك إلا بحسن عناية الأصل )

ويبدو من افتتاحية العدد أنها كانت لسان الخديوى إسماعيل في الدفاع عن نفسه في مواجهة السلطان العثمانى وبعض الفرنسيين المتربصين به

تلا صحيفة وادى النيل صحيفة أهلية أخرى هي نزهة الأفكار عام 1896 والتي أسسها إبراهيم  المويلحى ومحمد عثمان جلال ولكنها لم تستمر فقد توقفت بعد العدد الثانى لأنها لم تكن لسان الدفاع عن الخديوى بل اتخذت صف المعارضة فأوقفها الخديوى إسماعيل

في السبت الموافق الخامس من أغسطس عام 1876م  والموافق الخامس من رجب من عام 1293هـ تم إصدار العدد الأول من صحيفة الأهرام وكانت الإسكندرية شاهدا على هذا الحدث التاريخى إذ تعد الأهرام صرحا من صروح الصحافة في مصر وبذلك يمكن اعتبار الأهرام أقدم صحيفة مصرية كُتب لها البقاء حتى يومنا هذا وربما تثير هذه الصحيفة الكثير من العجب فلماذا؟!

ربما يدهشك عزيزى القارئ أن تأسيس الصحيفة يعود لاثنين من أهل الشام الكرام وهما الأخوان سليم وبشارة تقلا من لبنان الشقيق ويثير الدهشة أيضًا انهما اختارا لها اسم الأهرام فلماذا؟! وقد جاءت الإجابة في العدد الأول من الصحيفة كان سبب تسميتها بهذا الاسم ان الأهرام اعظم أثرا في مصر وما سواها من بلاد الدنيا

ولنا هنا وقفة أن الصحف الشامية ستتوالى تباعا بعد الأهرام فلماذا؟ في تلك الفترة هاجر كثير من اهل الشام إلى مصر هربًا من الفتنة الطائفية تارة وهربًا من القوانين الجائرة التي  أصدرها السلطان العثمانى آنذاك والتضييق على حرية الرأى  

بعد صدور صحيفة الأهرام أصدر سليم النقاش من لبنان وأديب إسحاق من سوريا ( من أصل ارمينى) صحيفة مصر وفى بعض المراجع يُطلق عليها المحروسة وتم إصدارها في القاهرة

ثم أصدر ميخائيل عبد السيد صحيفة الوطن في مدينة القاهرة وكانت صحيفة أسبوعية

مع اندلاع الثورة العرابية بقيادة الزعيم أحمد عرابى استنفر هذا الحدث العظيم أدباء يدافعون عن الثورة كان في صدارتهم الأديب عبد الله النديم وذلك من خلال صحيفة الطائف ثم ظهرت صحف أخرى كالسفير والنجاح والمفيد تدافع عن الثورة العرابية وكان الشيخ محمد عبده رئيس تحرير جريدة الوقائع المصرية وتحولت على يده من صحيفة رسمية لإصدار الأخبار الحكومية إلى صحيفة رأى وفكر وسُميت هذه الصحف بالصحف العرابية

قرر الخديوى توفيق مواجهة هذه الصحف في البداية بإصدار مجموعة من الصحف المضادة سميت الصحف الخديوية

بعد فشل الثورة العرابية تم إغلاق الصحف العرابية والقبض على الصحفيين المساندين لعرابى وبانهيار الصحافة الوطنية المدافعة عن الزعيم احمد عرابى أول من ثار ضد الإنجليز وتوقف إصدارها يتوقف حديثنا ولكن لا ينتهى وللحديث بقية بإذن الله

 

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

ذكرى عيد النصر

 


اليوم الثالث والعشرون من ديسمبر ذكرى هزيمة بريطانيا وفرنسا ورحيلهما عن أرض مصر تجران أذيال الخيبة وعار سيظل يلاحقهما أبد الدهر

أحالت حرب السويس كلا منهما من دولة عظمى إلى دولة من الدرجة الثالثة وخاصة بريطانبا التي فقدت هيبتها بفقد سيطرتها على القناة

كانت قناة السويس هي الركيزة الأساس لمكانة بريطانيا العظمى هذا الممر المائى المتحكم في ملاحة العالم منحها االانتصار في الحربين العالميتين الأولى والثانية لأنها سمحت لحلفائها بالمرور في القناة بينما منعت أعدائها من المرور فيها لذا هي تدرك أن بقاءها كقوى عظمى تحميه قبضتها على القناة ومتى أفلتت تلك القبضة ضاعت هيبتها ومكانتها لذا جن جنونها حين اقتنص الزعيم جمال عبد الناصر القناة من يدها وحرمها من هذا المورد المالى الهائل والنفوذ والسيطرة على تجارة العالم فقررت بالتواطؤ مع فرنسا اللجوء إلى شريعة الغاب وغزو مصر وثالثهما الشيطان في هذه المؤامرة  الكيان الصهيوني دون أن تتخيل ما هو بانتظارها من مقاومة من شعب لا يقبل الذل  يستهين بالحياة ويعدها ثمنا زهيدا للكرامة التي تمنحها الحرية لقد واجهت بريطانيا وفرنسا  مقاومة لم تكن في حسبانهما لقد صمدت بورسعيد صمود الجبال حنى صارت نبراسا لكل الحالمين بالحرية في العالم المدينة الصغيرة التى لم تخف ولم ترتجف وهى تقاوم أعتى دولتين في العالم بل فضحت ضعفهما وضعف حجتهما

كانت هذه المعركة وبالا على بريطانيا وعلى اقتصادها الذى انهار وانهارت معه سيدة العالم وغربت شمس المملكة المتحدة لتحل شمس مصر على العالم

ستظل معركة السويس درسا لكل من يعى قيمة الحق وقيمة الدفاع عنه والصمود من أجله

لخص بيرم التونسى ذكرى معركة السويس في رباعية رائعة

جند المظلات وهى في السما شابت

ولما حطت حمولها ع الرمال دابت

قدامها جيش في الميدان يضرب نيشان ثابت

ثلاث دول في بورسعيد خابت

 

حكاية الصحافة (1)


الصحافة فن الكلمة وان كانت الكلمة وحدة بناء الصحافة فلابد أن تكون تنويرا وهداية لا تضليلًا وتجريحًا لأن الصحافة رسالة سامية بنوعيها التنويرية والرقابية

نشأت الصحافة منذ عهود سحيقة وليس صحيحًا أنها نشأت مع آلات الطباعة فإن كنا نتكلم عن فن الخبر أهم فنون الصحافة فقد عرفه الإنسان منذ عرف الكتابة واستطاع أن يعبر عن نفسه

صاغ الفراعنة تاريخم وأهم أحداثه على الحجارة التي تشهد حتى وقتنا الحاضر ببراعتهم في تسجيل تاريخهم بشكل منسق يتجلى في قوائم الملوك التي أُخِذ منها التاريخ ولعل أبرز ما يوضح لنا ذلك لوحة الملك نعرمر(الملك مينا) مؤسس الأسرة الأولى الذى سجل ملحمة توحيد القطرين على صلَّاية وهى نوع من الحجارة الملساء أراها أقدم وثائقى عرفه التاريخ

وهناك الكثير من النقوش في تاريخ الصين والعراق كذلك

لقد أدرك العرب قيمة التدوين فدونوا مواقفًا من حياتهم بالشعر فكتبوا أشعارًا تخلد انتصاراتهم وأشعارا أخرى تعبر عن معتقداتهم ومشاعرهم واعتزاز بعضهم بأصله وحسبه ونسبه

وهكذا ظهرت الصحافة في صورتها الأولى ثم بدأت عهدًا جديدًا مع ظهور آلات الطباعة التي سهلت طباعة نسخًا عدة ليصل

الخبر إلى أكبر عدد من البشر

وهنا ربما تتساءل متى ظهرت الصحافة في مصر ولنا أن نعلم أن مصر أول دولة في المنطقة العربية عرفت الصحافة ولعل ما سيثير دهشة القارئ أن أول صحيفة عرفتها مصر كانت فرنسية

بدأ ظهور الصحافة في مصر مع دخول الحملة الفرنسية لقد حرص نابليون بونابرت قائد الحملة على تزويد حملته بآلات الطباعة لتسجيل كل شيء عن مصر

كانت أولى الصحف التي أصدرها صحيفة بريد مصر ثم تلاها صحيفة العشرية المصرية التي كانت تصدر كل عشرة أيام وكانت الصحيفتان باللغة الفرنسية

وجدير بالذكر أن القائد الثالث للحملة جاك فرانسوا مينو قرر إصدار صحيفة باللغة العربية تسمى التنبيه ولكن لم يكتب لها أن ترى النور لفشل الحملة ورحيلها عن مصر

حينما تولى الوالى محمد على حكم مصر وضع حجر الأساس لمطبعة بولاق عام 1819 وفى عام 1827 أصدر جورنال الخديوى باللغة العربية واللغة التركية وكان مسموحا لبعض موظفي الحكومة الاطلاع عليها أما الشعب المصرى لم يكن له صلة بهذه الصحيفة

بعد ذلك أصدر محمد على جريدة الوقائع المصرية عام 1828 وكان هدفها أن يتعرف المصريون إنجازات الوالى محمد على في مصر وكانت تنشر أوامر الحكومة والحوادث الرسمية وكانت باللغة العربية والتركية وهنا نرى أن أول صحف عرفتها مصر كانت حكومية

والسؤال الآن ما هي أول صحيفة أهلية عرفتها مصر؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون مقالنا القادم


حكايات التاريخ حكاية الصحافة (5)

  تابع صحافة الفكاهة: تحدثنا في المقال السابق عن نشأة الصحافة الفكاهية وكانت مصر هي من ابتكرت هذا اللون من الصحافة وقد ارتبط بالسخرية من...