الخميس، 30 أبريل 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (6) عصر محمد على


حين غزت الحملة الفرنسية على مصر وجهت الدولة العثمانية حملة لإخراج الفرنسيين من مصر عام 1801م وكان ضمن الحملة ضابط ألبانى برتبة اليوزباشى شاب يُدعى محمد على (منشئ الأسرة العلوية التي انتهى حكمها بقيام ثورة يوليو) واحترف تجارة الدخان في بداية حياته ثم التحق بالجندية للعمل بها كان شجاعا بعيد النظر حاد الذكاء واسع الحيلة طموحاته كثيرة شارك في الدفاع عن مصر واستطاع كسب ود المصريين حتى نصبوه واليا عليهم رغم معارضة الدولة العثمانية لذلك وتم ذلك عام 1220هـ 1805م وقد اشترطت عليه الزعامة الشعبية والتي كان على رأسها شيوخ الأزهر الشريف أن يحكم بالعدل وألا يفرض الضرائب إلا بموافقة الزعامة الشعبية وما إن استقر له الأمر حتى حكم البلاد
مذبحة القلعة
بالاستبداد وجمع السلطة كلها في يده وتم ذلك بنفى الشيخ عمر مكرم إلى وكان رأس الزعامة الشعبية ثم تخلص من المماليك في مذبحة القلعة1226 هـ  1811م وقرر إنشاء جيش قوى مدرب على أحدث الأساليب الأوروبية واستعان بالضابط الفرنسي الكولونيل جوزيف سيف الذى أسلم وسمى نفسه سليمان الفرنساوى وكان السبب في ذلك التوسع خارج مصر وضم بلدان أخرى لها فغزا الشام وضم السودان ووصل بجيوشه إلى أسيا الصغرى وأحرز الكثير من النصر على السلطان العثمانى وحينما أدركت الدول الأوروبية خطورة الصمت تجاهه قررت ردعه من خلال معاهدة لندن 1840م وقررت ألا يتعدى سلطانه حدود مصر وفى عام 1841م أصدر السلطان العثمانى فرمانًا قرر فيه أن تكون مصر له ولأولاده من بعده

أعمال محمد على في مصر:

حفر الترع وأنشأ القناطر الخيرية وأنشأ الأسطول البحرى وزوده بأحدث الأسلحة وأنشأ بالإسكندرية ترسانة لصناعة السفن

وكان من أبرز عيوبه الاستبداد وقيام المشروعات بتسخير المصريين في العمل وكثرة الضرائب وسيطرته على نواحى الاقتصاد حتى قيل عنه أنه الصانع والزارع والتاجر الوحيد وكانت كل أرباح الدولة له ولأفراد حكومته دون الشعب المصرى وحين أصابته الشيخوخة تنازل عن الحكم لابنه إبراهيم الذى توفى 1848م وأعقبه محمد على وتوفى 1265هـ 1849م

دار المحفوظات

القاهرة في عهد محمد على:

قام بتمهيد شارع شبرا الحالي عام 1808م ليكون طريقا بين القاهرة وقصره الذى بناه بقرية شبرا الخيمة وقد أقام به بستانًا غرس فيه شتى أنواع الأشجار وأنشأ لابنته زينب هانم قصرًا بالأزبكية وآخر لابنته نازلى هانم على ساحل النيل

أنشأ دار المحفوظات بجوار القلعة عام 1244هـ 1838م وأنشأ مسجد محمد على وهو ينقسم إلى قسمين الشرقى معد للصلاة والغربى وهو الصحن تتوسطه فسقية للوضوء

من أشهر الفنادق في عهده فندق شبرد عام 1841م أنشأه إنجليزى يُدعى شبرد وكان ضمن المنشآت التي احترقت في حريق القاهرة 1952م وتم إعادة بنائه ثانية على شاطئ النيل الشرقى فيما بعد

كما أنشأ مطبعة بولاق (المطبعة الأميرية) وهى أول مطبعة في مصر على الإطلاق وذكرت باسم دار الطباعة ودار صاحب السعادة والمطبعة الأميرية

مسجد محمد على

 

 


الأربعاء، 22 أبريل 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (5) عصر الحملة الفرنسية

في أواخر عهد العثمانيين اشتد ظلمهم بتحصيل ضرائب أثقلت كاهل المصريين أدت إلى انتشار الفقر والبؤس ولم يتوقف الحد عند المصريين بل انتقل إلى الأجانب المقيمين بمصر ومن بينهم الفرنسيين الذين تقدموا بشكواهم إلى وطنهم فرنسا واصفين حال البلاد من ظلم وقهر وضعف المماليك وعجزهم عن الدفاع عن البلاد ضد أى غزو خارجى فأثار ذلك أطماع فرنسا ودفعها إلى التفكير في غزو مصر وكان من أبرز من عزز هذه الفكرة للحكومة الفرنسية مجالون قنصل (سفير) فرنسا في الإسكندرية مقر القنصلية حينها وألحّ على حكومة بلاده أن تقوم بغزو مصر مبينا لها الثروات والنعم التي ستجنيها من هذا الغزو

كان الخلاف حادًا بين إنجلترا وفرنسا التي لم تستطع ضرب عدوتها في عقر دارها والتغلب عليها قررت ضربها في أعظم مستعمراتها الهند (دُرّة التاج البريطاني) فقررت احتلال مصر لتقطع عليها الطريق الموصل بين إنجلترا والهند

تم تكليف القائد نابليون بونابرت ــ والذى صار فيما بعد إمبراطورًا لفرنسا ــ بتنفيذ خطة غزو مصر فجاء ومعه جيش قوامه ثلاثون ألف جندي مسلحين بأحدث الأسلحة ومعه خيرة علماء فرنسا لدراسة أحوال مصر ومطابع بلغات متعددة ووصلت الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية أول يوليو 1798م – 1213 هـ

كان المماليك يعتمدون في حروبهم على أساليب قديمة في الحرب كما اعتمدت الدولة العثمانية نمط تجهيل الشعوب التي احتلتها فصارت في عزلة عن ركب التطور لذا لم تلبث مدافع الفرنسيين وبنادقهم أن حصدت المماليك في شبراخيت (مدينة بمحافظة البحيرة) وهرب المماليك ونفضوا عن أنفسهم مسئولية الدفاع عن مصر فتعهد المصريون بصد الفرنسيين وشنوا الغارات والثورات ضد الفرنسيين وتزعم الثورة والمقاومة في القاهرة شيوخ الأزهر الشريف

قرر نابليون ملاينة المصريين وخداعهم ولما فشلت حيله نصب مدافعه على جبل المقطم وضرب القاهرة بالمدافع وصوب قذائفه نحو الأزهر الشريف ودخل بخيوله وانتهك الجامع الأزهر فزاد سخط المصريين ضده

حينما خلف كليبر نابليون في قيادة الحملة أدرك سوء موقف الحملة الفرنسية فقرر عقد اتفاقية مع إنجلترا التي كانت تساند الدولة العثمانية كما تصدت بأسطولها الحربى للأسطول الفرنسي ووافق الفرنسيون على الرحيل عن مصر بأسلحتهم ولكن إنجلترا بعد أن وافقت على ذلك نقضت العهد حينما أدركت سوء حال الحملة فأصرت على أن يسلموا سلاحهم ويغادروا مصر كأسرى حرب فرفض كليبر وطارد العثمانيين فانتهز المصريون فرصة القتال بين العثمانيين والفرنسيين وثاروا ضدهم وكان رد كليبر عنيفًا حيث أضرم النيران في القاهرة واحترقت معظم أحيائها وكان أكثر الأحياء تضررًا حى بولاق الذى قاموا فيه بعمليات سلب ونهب وأشعلوا فيه النيران وانتشرت جثث أهله في الطرقات فاضطر الأهالى إلى التسليم ولم يهنأ كليبر بالنصر الذى أحرزه حيث قتله أحد طلاب الأزهر السوريين البطل سليمان الحلبى

وتولى قيادة الحملة بعده مينو وواجه مينو الأتراك والإنجليز وتجمعت المصائب على رجال الحملة بانتشار الطاعون وضيق الإنجليز عليهم الحصار حتى رحلت الحملة في عام 1801م – 1216 هـ

ورغم كل الفظائع التي ارتكبتها الحملة الفرنسية إلا أنهم استنفروا في المصريين الهمة والقوة للدفاع عن بلادهم والتمرد على العثمانيين الغازين متسترين بالدين كما اطلع المصريون على بعض معالم الحضارة الحديثة وأبرزها المطابع والبارود والصحف

أصيبت مبانى القاهرة ومساجدها بتخريب وتدمير في عهد الحملة الفرنسية لم تشهد  مثله في تاريخها

 

الأربعاء، 15 أبريل 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (4)

 


القاهرة في عهد العثمانيين:

رغم سيطرة العثمانيين على معظم بلدان أوروبا لم يتجاهلوا بلاد الشرق لما لديهم من إدراك بأهميتها من حيث الثراء والموارد والقيمة الاستراتيجية التي تكفل لمن يسيطر عليها القوة والبأس وما تحفل به بلاد الشرق من حضارات عظيمة أنتجت علمًا أضاء العالم لقرون طويلة وكانت مصر مركز هذه الحضارة

قرر سليم الأول السلطان العثمانى غزو الدولتين العظميين في بلاد الشرق مصر وإيران فبدأ بإيران وقام بغزوها وأنزل بالشاه (حاكم) إيران إسماعيل الصفوى هزيمة منكرة وبدأ يعد العدة لغزو مصر واالشام

اختلق سليم الأول المعاذير لغزو مصر والشام فاتهم السلطان قنصوة الغورى أنه عقد تحالفًا سريا مع شاه إيران إسماعيل الصفوى كما اتهمه بإيواء العثمانيين الفارين منه وأحس الغورى بما يبيته العثمانيون وكان حينها في السبعين تقريبًا من عمره والتقى الجيشان في مرج دابق على مسيرة يوم شمال حلب وأسفرت المعركة عن انتصار العثمانيين بفضل الخيانة وبث الفتنة في صفوف جيش قنصوة الغورى واستولى سليم الأول على حلب ثم دمشق وأصبح الطريق ممهدًا لغزو مصر

التقى جيش سليم الأول بالجيش المصرى يقوده طومان باى (آخر حكام المماليك) في الريدانية وفيها انقسم العثمانيون إلى فريقين أحدهما جاء من تحت الجبل الأحمر وهاجم القسم الآخر معسكر الريدانية وبعد ساعات قليلة هُزِم المماليك وولوا الأدبار فظل يقاتل ومعه نفر قليل من العبيد والمماليك السلحدارية ولكن الهزيمة حاقت بهم في النهاية واضطر طومان باى إلى الهروب والاختباء لدى أحد مشايخ العربان في البحيرة ولكنه خانه وسلمه إلى العثمانيين وتم شنقه على باب زويلة أحد أبواب القاهرة وكان عمره حينها أربعين عامًا وبذلك سقطت مصر في أيدى العثمانيين وأصبحت ولاية عثمانية

لم يطرأ على القاهرة في عهد العثمانيين أي تغيير أو تبديل ولم تتسع مساحتها عما كانت في عهد المماليك ولم تساير الزمن في تقدمه بل أصابها الجمود وظلت هكذا طوال العهد العثمانى وتقهقرت ودب فيها الضعف وانتشر الفقر كما أراد لها سليم الأول، انتشرت الفتن والثورات وكان الثوار يتخذون من المساجد حصونًا لهم وخاصة جامع أحمد بن طولون والسلطان حسن فتصدعت جدرانها وأصابها كثير من التلف والدمار تحول حى القلعة إلى خراب وتحولت قصور الأغنياء إلى أحواش فانتقل أهلها إلى حى بركة الفيل والأزبكية كسكن بديل للأمراء والخاصة من الناس



عاصر المؤرخ المصرى ابن إياس صاحب المؤلف التاريخى ( بدائع الزهور في وقائع الدهور) حكم العثمانيين وقال في ذلك إن سليم الأول أمر بحبس ألفين من المصريين من رجال الحرف والصناعات وكبار التجار والقادة والأعيان والأمراء في أبراج الإسكندرية وخاناتها انتظارًا لقيام المراكب بهم إلى القسطنطينية (عاصمة الدولة العثمانية) وكان قد نزع من مصر والقاهرة أثمن ما فيها من منقول وثابت حتى الأخشاب والبلاط والرخام والأعمدة ومجموعة المصاحف والمخطوطات والمشاكى والكراسى النحاسية والمشربيات والشمعدانات والمنابر

لقد عمل السفاح سليم الأول على طمس معالم الحضارة بالقاهرة لصالح تعمير القسطنطينية متأسيًا بهولاكو ما أحدثه من تدمير ببغداد وكان الولاة المكلفين بالحكم في القاهرة من قِبَل العثمانيين لا هم لهم سوى جمع المال لأن مدة بقائهم قصيرة وكانت تلك سياسة العثمانيين حتى لا ينفرد الوالى بالحكم ولكن رغم كل هذا الظلام ظل قبس من نور الماضى يلمع في أفق القاهرة وقام بعض التجار ورجالات من العهد السابق بتشييد بعض القصور والمساجد ولكنها لم تكن كمثيلاتها في عهد المماليك نورد بعضًا منها

أهم المنشآت :

1ـ مسجد المحمودية يقع بميدان صلاح الدين وشرقى مسجد السلطان حسن أنشأه محمود باشا أحد ولاة الأتراك عام 975 هـ 1567م وهو مرتفع عن مستوى الشارع ويُصعَد إليه بسلم وفي جدار المحراب باب يوصل إلى قبة ملحقة بالمسجد وهذا التصميم مقتبس من مسجد السلطان حسن

2ـ مسجد الملكة صفية بشارع القلعة (محمد على سابقًا) أمرت بإنشائه الملكة صفية والدة السلطان محمد خان الثالث عام 1019هـ 1610م مرتفع عن مستوى الشارع ويصعد إليه بسلالم دائرية يتكون من جزأين الصحن والقبة شرقى الصحن يوجد منبر من الرخام المزخرف

3ـ جامع محمد أبو الدهب شيده محمد أبو الدهب والى مصر عام 1187هـ  1773م له واجهتان شرقية تواجه الجامع الأزهر والثانية بحرية تطل على ميدان الأزهر والمسجد عبارة عن قبة بها محراب رخام يجاوره منبر مطعم بالصدف

تجديد الجامع الأزهر الشريف:

قام الأمير عبد الرحمن كتخدا بعمل إصلاحات بالجامع الأزهر فزاد في سعته بمقدار النصف تقريبًا وأنشأ قبلة للصلاة ومدرسة لتعليم اليتامى وصهريجًا للمياه وقبرًا له دُفِن فيه ولقب بالمصلح الكبير والمحسن العظيم ويقول الجبرتى أنه أنشأ مقصورة في الجامع الأزهر مقدار النصف طولا وعرضًا وبنى محرابًا جديدًا وأنشأ له بابًا عظيمًا وقام عثمان كتخدا القزدوغلى ببناء زاوية في الأزهر يصلى فيها العميان سميت بزاوية العميان وأنشأ مسجدًا بميدان الأوبرا

 

 

 

 

 

الأربعاء، 8 أبريل 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (3)

تحدثنا في المقال السابق عن تعمير القاهرة في عهد المماليك البحرية ونتحدث عن التعمير في عهد المماليك البرجية والتي قامت على أنقاض المماليك البحرية

يُسمى المماليك البحرية أيضًا بالشراكسة لأن معظمهم كانوا شراكسة اشتراهم قلاوون أحد المماليك البحرية وأسكنهم أبراج القلعة لذا سموا المماليك البرجية وقد حكموا مصر من عام 784 هـ 1382م وحتى عام 923 هـ 1517م

قام المماليك بتعمير صحراء الريدانية (العباسية) وامتدت أبنيتهم مسافات بعيدة في تلك الصحراء حتى وصلت إلى ما يُعرف اليوم بكوبرى القبة حيث قام المماليك بتشييد قبة جميلة بمنطقة كوبرى القبة 

كان عهد المماليك البرجية عهد التميز في فن العمارة التي أدخلوا عليها كثيرا من التعديلات الهندسية ومنها : زخرفة المآذن والقباب بالفسيفساء والرخام وانتهاء بعض المآذن برأسين وبعضها بأربعة رءوس

ومن الآثار التي تركها المماليك البرجية نورد بعضها مثل:

مسجد السلطان برقوق بالنحاسين:

السلطان برقوق هو الملك الظاهر أبوسعيد برقوق أول المماليك البحرية حكم مصر من 784 هـ -1382م وحتى 801 هـ 1399م أنشأ في الجهة البحرية لمدرسة الناصر محمد بن قلاوون هذا المسجد سنة 786 هـ 1384م ولهذا المسجد مئذنة ضخمة مطعمة بالرخام وتُعد الأولى من نوعها من المآذن وللباب العمومى لهذا المسجد مصراعان من الخشب مصفحتان بالنحاس ويؤدى إلى طرقة توصل إلى صحن (الساحة الوسطى) المسجد وأرضية الصحن مفروشة بالرخام الأبيض وبالركن البحرى الشرقى للصحن باب يؤدى إلى التربة وتعلوها قبة وقد بنى برقوق لنفسه تربة أخرى بجبانة (مقابر)المماليك دُفن فيها

جامع المؤيد:

أنشأه أبو النصر شيخ المحمودى الملقب بالمؤيد وقد حكم مصر من 805 هـ 1412م حتى 824 هـ 1421م وكان المحمودى شاعرًا وموسيقيًا ورِعًا محبًا للعلم يعاون طلابه ويشجعهم بالمال

ويُعد هذا الجامع من الجوامع الكبيرة أتم المحمودى إنشاءه عام 823 هـ 1410م بجوار باب زويلة ومدخله في الطرف البحرى للواجهة الشرقية وبأعلى الواجهة الشرقية يوجد إفريز من الأيات القرآنية والباب المركب عليه مكسو بالنحاس المحلى بزخارف هندسية بديعة وكان قبل ذلك مركبًا على باب مسجد السلطان حسن واسمه منقوش عليه


مسجد الغورى:

تولى الأشرف قنصوة الغورى في شوال 906 هـ 1501م ويوجد مسجد الغورى بشارع الغورية وتم إنشاؤه 910 هـ 1504م ويتألف من صحن له منور مستطيل محاط بدرابزين من الخشب المخروط الجميل ليس لهذا المنور مثيل فهوعلى قاعدة بديعة وأرضيته من الرخام كما يكسو الجدران وزرات (أكسية صغيرة) من الرخام الملون البديع

جدير بالذكر أن قنصوة الغورى قتل في معركة مرج دابق التي وقعت بينه وبين العثمانيين بقيادة سليم الأول عام 1516م ولم يُعثر على جثته لذا لم يُدفن بمقبرته المواجهة للمسجد وبذلك ينتهى عصر المماليك




 

الخميس، 2 أبريل 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (2)

تحدثنا  في المقال السابق عن القاهرة التي تتألف من أربع مدن وتوقفنا عند القاهرة المعزية في عهد الفاطميين وكيف اتسعت مساحتها في عهد الأيوبيين وبعد رحيل دولة الأيوبين حل محلها دولة المماليك

في عهد المماليك البحرية امتدت القاهرة تجاه الشمال في الطريق التي رسمها لها صلاح الدين الأيوبى فهدموا ما تبقى من القصرين الفاطميين الكبيرين وأقاموا المساجد والمدارس والحمامات والأضرحة

وواقع الأمر أن القاهرة تزينت بأفضل زينتها في عهد المماليك حيث يُعد العصر الذهبى في تاريخ العمارة بعد عهد الفراعنة والسبب هو الرخاء الذى عم البلاد وامتلاء خزينة الدولة بالأموال فكانوا يتسابقون في إقامة المساجد والقصور الفخمة ومازالت القاهرة تحتفظ بكثير من تحفهم

ومن أشهر سلاطين المماليك البحرية

 1ـ الظاهر بيبرس الذى حكم مصر عام 658هـ 1260م  شيد شمال القاهرة قناطر أبى المُنَجَّا ومثلها على خط القنطرة فلسطين وقنطرة السباع التي كانت في شارع الخليج المصرى وكانت تعرف بقنطرة السيدة زينب ولكنها اختفت بعد ردم الجزء الأوسط من الخليج 

2ـ السلطان قلاوون (سيف الدين أبو المعالى) شيد مدرسة و(مارستان) أو مستشفى في شارع بين القصرين

3ـ السلطان محمد بن قلاوون الملقب بالناصر الذى تولى عرش مصر عام 694هـ 1294م

أهم منشآته مدرسة بالنحاسين والمدرسة الجاولية بشارع مراسينا ومسجد الناصر محمد بالقلعة وسراى بشتك بشارع بين القصرين وجامع الماردانى بالدرب الأحمر

4ـ السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون تولى حكم مصر 748هـ   1347 م أنشأ مسجد السلطان حسن بميدان صلاح الدين تجاه القلعة وتبلغ مساحته 7906مترًا وطوله 150مترًا وعرضه 68مترًا وارتفاعه عند بابه 37,70مترًا ويعد هذا المسجد أضخم مساجد مصر عمارة وأعلاها بنيانا وأجمعها لمحاسن العمارة

قال الأستاذ جاستون فييت أحد مديرى المتحف الإسلامي عنه ( إنه لأبدع آثار القاهرة وأكثرها تجانسًا وتماسكًا وكمال وحدة وأجدرها بأن يقوم بجانب تلك الآثار المدهشة التي خلفتها مدنية الفراعنة والحديث عن تاريخ القاهرة وآثارها لا ينتهى لذا في المقال القادم نكمل حديثنا عن القاهرة في عهد المماليك البرجية حديثنا عن القاهرة في عهد المماليك البرجية

الثلاثاء، 24 مارس 2026

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (1)

القاهرة عاصمة مصر المحروسة والحديث عنها يرتبط بتاريخ العصور الإسلامية في مصر والتطور التاريخى لهذه المدينة وما شهدته من أحداث في عصور مختلفة نلقى الضوء على نشأتها والتطورات التي شهدتها حتى عصرنا الحالي وأهم معالمها وفى هذا المقال نوجز نشأتها ومم تتألف ونفصل تاريخها في المقالات القادمة

تتألف القاهرة من أربع مدن قديمة ظهرت كل واحدة تلو الأخرى وكانت عاصمة لمصر لفترة من الزمن وهذه المدن: الفسطاط، والعسكر، والقطائع، والقاهرة المعزية (نسبة للمعز لدين الله الفاطمى مؤسس الدولة الفاطمية) وتقع جميعها بين الشاطىء الشرقى للنيل وتلال المقطم

الفسطاط: أول عاصمة لمصر في العصر الإسلامي أنشأها عمرو بن العاص عقب دخوله مصر سنة 20هـ (641م) وظلت مركز السيادة والحكم لواليها طوال عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية وبانهيار دولة الأمويين قامت على أنقاضها دولة العباسيين 

العسكر: تولى حكم مصر بعد قيام دولة العباسيين الوالى أبو عون عبد الملك بن يزيد وأنشأ مدينة العسكر سنة 133هـ (751م) 

القطائع: بعد تأسيس الدولة الطولونية في مصر تولى حكمها الأمير أحمد بن طولون فأنشأ لها عاصمة جديدة هي مدينة القطائع سنة 256هـ (870م) وظلت العاصمة طوال حكم الطولونيين ودولة الإخشيديين التي أسسها كافور الإخشيدى

القاهرة المعزية: 

حينما غزا الفاطميون مصر أسس جوهر الصقلى بعد توليه حكم مصر من قِبَل المعز لدين الله الفاطمى عاصمة جديدة سنة 358هـ (969م) وأطلق عليها القاهرة المعزية بسقوط دولة الفاطميين على يد صلاح الدين الأيوبى قرر جمع العواصم الأربعة السابقة في صعيد واحد سنة 573هـ (1176م) كى تكون قادرة على رد الأعداء والصمود أمام غارات المعتدين فأحاطها بسور عظيم وتُوفى قبل اكتماله فأتمه خلفاؤه من بعده وظلت القاهرة منذ ذلك الحين عاصمة مصر ولكنها تمددت وازدادت مساحتها عامًا بعد عام

هذه نبذه موجزة عن القاهرة عاصمة مصر المحروسة ونفصل تاريخها في المقالات القادمة بإذن الله 

الخميس، 12 مارس 2026

حكايات التاريخ معارك رمضانية (3) معركة العبور العظيم

تحدثنا في المقال السابق  عن معركة عين جالوت التي قضت على أسطورة جيش المغول الذى لا يُقهر وفى حديثنا اليوم عن معركة أكتوبر المجيدة ومعجزة العبور نعيد ذات السيرة في الحديث عن المعركة التي قضت على أسطورة الجيش الصهيوني الذى لا يُقهروالمعهود دائمًا حين نتحدث عن معركة أكتوبر نستهل حديثنا بالتذكير بالهزيمة وواقع الأمر أن أكتوبر لم تكن بدايتها الهزيمة؛ معاركنا معهم بدأت قبل ذلك وأعنى حينما ظهر هؤلاء المستعمرون أو كما وصفهم جمال عبد الناصر بالسرطان الذى ظهر في بلاد العرب ولكن لا يتسع الوقت لهذا الحديث فنوجز حديثنا عن السادس من أكتوبر والتي بدأت وقائعها كما هو مألوف ردًا على هزيمة الخامس من يونيو 1967م والتي كانت هزيمة منكرة ولكن للهزيمة في مصر وقع مختلف ووقائع أيضًا مختلفةفأما وقع الهزيمة فكان صدمةً وحزنًا عميقًا في نفوس المصرين والعرب معًا وأما وقائعها فاختلفت عما حدث لغيرها من الدول التي مُنيت بهزائم منكرة وعانت مرارة الهزيمة كاليابان التي استسلمت في الحرب العالمية الثانية وصارت تحت الحماية الأمريكية وقبلت بقواعد عسكرية أمريكية وألمانيا التى تم تقسيمها شرقية وغربية واستعادت وحدتها بعد عقود من الاستسلام وظلت تدفع مرغمة تعويضات للعصابة الصهيونية ربيبة الولايات المتحدة الأمريكية أما مصر فقد اختلفت وقائع الهزيمة فيها ولكن نود أولًا إلقاء الضوء عما حدث في معركة يونيو 1967 في تمام الساعة الثامنة صباحًا أغارت طائرات العدو على المطارات المصرية والقواعد المصرية وتم ذلك بجهد 492 طائرة مركزة في ثلاث موجات أدت إلى: 1ــ أصبح جنود الجيش المصرى بلا غطاء جوى في صحراء مكشوفة لا يقاتلون ولكنهم يُقتلون

2ــ سقوط آلاف الشهداء واحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية واحتلال الضفة الغربية وواقع الأمر أن مصر رغم أن دولة ليست بحجم اليابان ولا ألمانيا ولكنها لم تستسلم بل صارت للهزيمة تموذجًا مختلفًا عما هو معهود في الهزائم التاريخية تأست مصر بدولة كانت عظمى فيما مضى وهى بريطانيا التي رفضت الاستسلام في الحرب العالمية الثانية رغم سيطرة ألمانيا على معظم أوروبا فقد أعلنت الصمود وعدم الاستسلام على مستويين

الأول شعبى: تجلى ذلك في رفض المصريين تنحى الرئيس جمال عبد الناصر فالجميع يعلم أنه المستهدف من هذه الحرب وبرحيله عن الحكم يحقق العدو ما كان يرجوه من هذه الحرب        الثانى عربى :كما تجلى في مؤتمر الخرطوم فيما عُرِف باللاءات الثلاث لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بالكيان الصهيونى الثالث عسكرى : وتجلى ذلك فيما عُرِف بحرب الاستنزاف وهى حرب كان الهدف منها استنزاف موارد العدو العسكرية والبشرية وبعث روح المقاومة في الجندى المصرى وتأهيله للمعركة الكبرى لاسترداد الأرض وكان أبرز هذه المعرك معركة رأس العش أول يوليو 1967م وهى معركة عنيفة أحدثت خسائر جسيمة في جيش الدو فاضطر إلى الانسحاب وكان سبب الهجوم على منطقة رأس العش أنها الجزء المتبقى من سيناء في بورفؤاد تحديدا ولم يتم احتلاله، تدمير المدمرة إيلات في الحادى والعشرين من أكتوبر 1967م وكانت كارثة كبرى على البحرية الصهيونية وصدمة لجيش العدو، في يناير 1970م فشلت إسرائيل في الاستيلاء على جزيرة شدوان وفى مارس 1970 نجحت المخابرات المصرية وتم تفجير حفار استأجره العدو للتنقيب عن النفط في خليج السويس وتمت العملية بواسطة الضفادع البشرية في ساحل العاج وفى مايو 1970م تم تدمير الرصيف الحربى لميناء إيلات والمدمرتين بات شيفع وبات يام

بالإضافة إلى الكمائن التي استهدفت القبض على جنود العدو كأسرى والاستيلاء على معدات ووثائق عسكرية كل هذا أجبر العدو على البقاء في الخنادق ولم ينعم بما حققه في يونيو 1967م

ولكن في المقابل رد العدو باستهداف مدرسة بحر البقر الابتدائية ومصنع أبى زعبل والمدى واسع بين ما استهدفناه وما استهدفه العدو فجيشنا شريف يستهدف عسكريين ومنشآت عسكرية والعدو يفتقر لأدنى سمات الشرف باستهداف مدنيين كأطفال وعمال ومنشآت مدنية كمدرسة ابتدائية ومصنع  استمرت حرب الاستنزاف حتى اضطر العدو للسعى إلى وقف إطلاق النار وتم ذلك بقبول مصر لمبادرة روجرز كانت أهم نتائج حرب الاستنزاف ارتفاع الروح المعنوية للجندى المصرى وتأهيله لحرب استرداد الأرض وشفاء لما في نفسه من جرح عميق خلفته الهزيمة كما أنها كبدت العدو خسائر فادحة لم يتكبدها في كل حروبه السابقة على الاستنزاف فلم تكن معركة خاطفة كما اعتاد بل كانت حربًا  يومية لمدة ثلاث سنوات كاملة في فترة السابقة على معركة العبور تم إعادة بناء الجيش المصرى وتسليحه وتدريبه وتم إنشاء حائط الصواريخ 

الذى وضع حدًا قاطعًا لتوغل الطيران الإسرائيلي في الأجواء المصرية حيث أجبر العدو على احترام سماء مصر كان كل ماسبق تمهيدًا لمعركة كبرى تسترد مصر بها أرضها وكرامتها وبالفعل في يوم السبت الموافق السادس من أكتوبر العاشر من رمضان 1973م في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق نشبت الحرب وكانت مصر وسوريا البادئتان بالحرب ظهرًا هاجمت القوات الجوية المصرية العدو في سيناء بينما هاجمت القوات الجوية السورية أهداف العدو في الجولان وقامت قواتنا بعبور قناة السويس وتم تحطيم خط بارليف المنيع الذى لايقهره قنابل ولا نابالم ولكن قهرته المياه وواقع الأمر أن ما قهره بعد قوة الله سبحانه وتعالى العقلية المصرية التي تجلت في الضابط المصري باقى زكى يوسف وكان مهندسًا في السد العالى من عام 1964م وحتى عام 1967م وفى تلك الفترة شهد استخدام ضغط المياه لتجريف الجبال وسحبها ومن هنا جاءته الفكرة لإسقاط خط بارليف الذى أقامه العدو الصهيوني على الشاطئ الشرقى للقناة لمنع القوات المصرية من العبور إلى معسكراته عبرت جولدا مائير عن وقع الهزيمة في معركة أكتوبر أو كما يطلقون عليها حرب كيبور في مذكراتها في فصل الهزيمة كما أطلقت عليه في مذكراتها قالت  جولدا مائير "ليس أشق على نفسى في الكتابة من بين كل الموضوعات التي كتبت عنها في هذا الكتاب قدر أن أكتب عن حرب أكتوبر 1973مكما قالت أيضًا: "لو لم أتعلم خلال كل هذه الأعوام كيف أكون قوية لكنت قد تحطمتلقد نصرنا الله نصرًا عظيمًا مكننا من استرداد أرضنا وكرامتنا وهيبتنا وردع العدو الذى أعطته حرب أكتوبر المجيدة مناعة ضد مجرد التفكير في حربنا وما النصر إلا من عند الله

حكايات التاريخ حكاية القاهرة (6) عصر محمد على

حين غزت الحملة الفرنسية على مصر وجهت الدولة العثمانية حملة لإخراج الفرنسيين من مصر عام 1801م وكان ضمن الحملة ضابط ألبانى برتبة اليوزباشى شاب...