الخميس، 12 مارس 2026

حكايات التاريخ معارك رمضانية (3) معركة العبور العظيم


تحدثنا في المقال السابق عن معركة عين جالوت التي قضت على أسطورة جيش المغول الذى لا يُقهر وفى حديثنا اليوم عن معركة أكتوبر المجيدة ومعجزة العبور العظيم نعيد ذات السيرة في الحديث عن المعركة التي قضت على أسطورة الجيش الصهيوني الذى لا يُقهر

والمعهود دائمًا حين نتحدث عن معركة أكتوبر نستهل حديثنا بالتذكير بالهزيمة وواقع الأمر أن أكتوبر لم تكن بدايتها الهزيمة؛ معاركنا معهم بدأت قبل ذلك وأعنى حينما ظهر هؤلاء المستعمرون أو كما وصفهم جمال عبد الناصر بالسرطان الذى ظهر في بلاد العرب ولكن لا يتسع الوقت لهذا الحديث فنوجز حديثنا عن السادس من أكتوبر والتي بدأت وقائعها كما هو مألوف ردًا على هزيمة الخامس من يونيو 1967م والتي كانت هزيمة منكرة ولكن للهزيمة في مصر وقع مختلف ووقائع أيضًا مختلفة

فأما وقع الهزيمة فكان صدمةً وحزنًا عميقًا في نفوس المصرين والعرب معًا

 وأما وقائعها فقد اختلفت عن غيرها من الدول التي مُنيت بهزائم منكرة وعانت مرارة الهزيمة كاليابان التي استسلمت في الحرب العالمية الثانية وصارت تحت الحماية الأمريكية وقبلت بقواعد عسكرية أمريكية وألمانيا التى تم تقسيمها شرقية وغربية واستعادت وحدتها بعد عقود من الاستسلام وظلت تدفع مرغمة تعويضات للعصابة الصهيونية ربيبة الولايات المتحدة الأمريكية

أما مصر فقد اختلفت وقائع الهزيمة فيها ولكن نود أولًا إلقاء الضوء عما حدث في معركة يونيو 1967 في تمام الساعة الثامنة صباحًا أغارت طائرات العدو على المطارات المصرية والقواعد المصرية وتم ذلك بجهد 492 طائرة مركزة في ثلاث موجات نتج عنها ما يلى:

ــ أصبح جنود الجيش المصرى بلا غطاء جوى في صحراء مكشوفة لا يقاتلون ولكنهم يُقتلون

ــ سقوط آلاف الشهداء واحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية واحتلال الضفة الغربية

ولم تستسلم مصر بل تأسَّت بدولة كانت عظمى فيما مضى وهى بريطانيا التي رفضت الاستسلام في الحرب العالمية الثانية رغم سيطرة ألمانيا على معظم أوروبا فقد أعلنت الصمود وعدم الاستسلام وكان ذلك على مستويين

الأول شعبى: تجلى ذلك في رفض المصريين تنحى الرئيس جمال عبد الناصر فالجميع يعلم أنه المستهدف من هذه الحرب وبرحيله عن الحكم يحقق العدو ما كان يرجوه من هذه الحرب

الثانى عربى :كما تجلى في مؤتمر الخرطوم فيما عُرِف باللاءات الثلاث لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بالكيان الصهيونى

الثالث عسكرى : وتجلى ذلك فيما عُرِف بحرب الاستنزاف وهى حرب كان الهدف منها استنزاف موارد العدو العسكرية والبشرية وبعث روح المقاومة في الجندى المصرى وتأهيله للمعركة الكبرى لاسترداد الأرض

وكان أبرز هذه المعارك معركة رأس العش أول يوليو 1967م وهى معركة عنيفة أحدثت خسائر جسيمة في جيش العدو فاضطر إلى الانسحاب وكان سبب الهجوم على منطقة رأس العش أنها الجزء المتبقى من سيناء في بورفؤاد تحديدا ولم يتم احتلاله، تدمير المدمرة إيلات في الحادى والعشرين من أكتوبر 1967م وكانت كارثة كبرى على البحرية الصهيونية وصدمة لجيش العدو، وفي يناير 1970م فشلت إسرائيل في الاستيلاء على جزيرة شدوان وفى مارس 1970 نجحت المخابرات المصرية في تفجير حفار استأجره العدو للتنقيب عن النفط في خليج السويس وتمت العملية بواسطة الضفادع البشرية في ساحل العاج وفى مايو 1970م تم تدمير الرصيف الحربى لميناء إيلات والمدمرتين بات شيفع وبات يام

بالإضافة إلى الكمائن التي استهدفت القبض على جنود العدو كأسرى والاستيلاء على معدات ووثائق عسكرية كل هذا أجبر العدو على البقاء في الخنادق ولم ينعم بما اغتصبه في يونيو 1967م

ولكن في المقابل رد العدو باستهداف مدرسة بحر البقر الابتدائية ومصنع أبى زعبل والمدى واسع بين ما استهدفناه وما استهدفه العدو فجيشنا شريف يستهدف عسكريين ومنشآت عسكرية والعدو يفتقر لأدنى درجات الشرف باستهداف مدنيين كأطفال وعمال ومنشآت مدنية كمدرسة ابتدائية ومصنع

استمرت حرب الاستنزاف حتى اضطر العدو للسعى إلى وقف إطلاق النار وتم ذلك بقبول مصر لمبادرة روجرز

كانت أهم نتائج حرب الاستنزاف ارتفاع الروح المعنوية للجندى المصرى وتأهيله لحرب استرداد الأرض وشفاء لما في نفسه من جرح عميق خلفته الهزيمة كما أنها كبدت العدو خسائر فادحة لم يتكبدها في كل حروبه السابقة على الاستنزاف فلم تكن معركة خاطفة كما اعتاد بل كانت حربًا يومية لمدة ثلاث سنوات كاملة

في الفترة السابقة على معركة العبور تم إعادة بناء الجيش المصرى وتسليحه وتدريبه وتم إنشاء حائط الصواريخ الذى وضع حدًا قاطعًا؛ لتوغل الطيران الإسرائيلي في الأجواء المصرية حيث أجبر العدو على احترام سماء مصر

كان كل ماسبق تمهيدًا لمعركة كبرى تسترد مصر بها أرضها وكرامتها وبالفعل في يوم السبت الموافق السادس من أكتوبر العاشر من رمضان 1973م في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق نشبت الحرب وكانت مصر وسوريا البادئتان بالحرب ظُهرًا هاجمت القوات الجوية المصرية العدو في سيناء بينما هاجمت القوات الجوية السورية أهداف العدو في الجولان وقامت قواتنا بعبور قناة السويس وتم تحطيم خط بارليف المنيع الذى لا يقهره قنابل ولا نابالم ولكن قهرته المياه وواقع الأمر أن ما قهره بعد قوة الله سبحانه وتعالى العقلية المصرية التي تجلت في الضابط المصري باقى زكى يوسف وكان مهندسًا في السد العالى من عام 1964م وحتى عام 1967م وفى تلك الفترة شهد استخدام ضغط المياه لتجريف الجبال وسحبها تمهيدا لبناء السد العالى ومن هنا جاءته الفكرة لإسقاط خط بارليف الذى أقامه العدو الصهيوني على الشاطئ الشرقى للقناة لمنع القوات المصرية من العبور إلى معسكراته

ويكفينا لنعلم قدر هذه المعركة حديث العدو عنها وأثرها في نفسه حيث عبرت جولدا مائير عن وقع الهزيمة في معركة أكتوبر أو كما يطلقون عليها حرب كيبور في مذكراتها في فصل (الهزيمة) كما أطلقت عليه في مذكراتها قالت: ليس أشق على نفسى في الكتابة من بين كل الموضوعات التي كتبت عنها في هذا الكتاب قدر أن أكتب عن حرب أكتوبر 1973م كما قالت أيضًا: لو لم أتعلم خلال كل هذه الأعوام  كيف أكون قوية لكنت قد تحطمت

لقد نصرنا الله نصرًا عظيمًا مكننا من استرداد أرضنا وكرامتنا وهيبتنا وردع العدو الذى أعطته حرب أكتوبر المجيدة مناعة ضد مجرد التفكير في حربنا وليكن حاضرًا في ذاكرتنا قول الله تعالى "وما النصر إلا من عند الله"

  

الخميس، 5 مارس 2026

حكايات التاريخ معارك رمضانية (2) معركة عين جالوت ( هزيمة المغول)


حَفُل تاريخ مصر بانتصارات كثيرة ولكن المعركة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم تؤكد أن مصر هي كنانة الله في أرضه يتعهدها وحده بالرعاية والحماية والمنَعة وهى بحق مقبرة الغزاة إنها معركة عين جالوت التي سحقت المغول وأوقفت زحفهم نحو العالم الإسلامي وصدت خطرهم عن أوربا

في مستهل حديثنا عن المعركة لابد من إزالة اللبس بين التتار والمغول فهما جماعتان منفصلتان لذا لابد أن نتبين من منهما خاض المعركة ومن أين جاء اللبس والخلط بينهما

التتار والمغول اسمان لجماعتين عاشتا في الشطر الشرقى من آسيا وفى الشمال الغربى من الصين وأطلق المؤرخون المسلمون على كل موجة بشرية قذفتها آسيا مستهدفة العالم الإسلامي اسم الترك حينًا واسم التتار حينًا آخر بدون تحديد غير أنهم سموا الزحف المغولى باسم زحف التتار ولكن جنكيز خان كان في واقع الأمر من جماعة المغول لا التتار وأصل المغول الهضبة المعروفة باسم هضبة منغوليا شمال صحراء جوبى وهى أراضى واسعة تنعدم المياه في بعض نواحيها

بدأ الزحف المغولى في عهد جنكيز خان بعد توحيد منغوليا ثم زحف على الصين واجتاحها ثم اتجه إلى بلاد ما وراء النهر واستولى على بُخارى وسمرقند ثم زحفوا إلى بلاد الخوارزميين واستولوا عليها واجتاحوا آسيا الصغرى واستولوا على المواقع المهمة فيها لاتخاذها قاعدة لإخضاع ما تبقى من العالم الإسلامي (العراق والشام ومصر)

بعد تولى هولاكو حفيد جنكيز خان زمام الأمور قرر القضاء على الخلافة العباسية وكانت الخلافة حينها تعيش أوضاعًا متردية يعمها الفوضى وعدم الاستقرار وانفصال كثير من الولايات عنها وكان الخليفة وقتها المستعصم بالله ولم يكن حاكما قويًا يهتم بشئون الحكم وشئون الجيش بل كان منغمسًا في ملذاته ومجالس الترف وحينما علم بزحف المغول نحو مركز الخلافة (بغداد) لم يقدر جدية خطرهم ويتخذ الاستعدادات اللازمة لمواجهتهم وعندما أدرك هولاكو أن العراق مهيأ للغزو وللسقوط دون أن يتعرض لمتاعب كثيرة اتجه إليها وحاصرها هو وقواده وعلى رأسهم كتبغا وهنا لجأ هولاكو إلى الحيلة وساعده في ذلك وزير الخليفة مؤيد الدين العلقمى الذى أقنع الخليفة بالاستسلام لأنه مهد له طريق الصلح مع المغول مقابل نصف الخراج له والأخر لهولاكو والخراج هو الضرائب التي يفرضها الخليفة على الأراضى ويدفعها أهل الدول التي دخلوها، وقبل الخليفة الصلح واستسلم للمغول وبهذه الطريقة دخلوا بغداد ونتج عن ذلك الخراب والدمار ويُعَد سقوط بغداد على يد المغول كارثة كبرى قُتل فيها مليون وثمانمائة ألف نفس وخُرِّبت المدارس وهُدِّمت المساجد وقُتِل العلماء والنساء والأطفال

ويمكننا تلخيص سبب الهزيمة وسقوط الخلافة المروع الذى تنازع عليه المؤرخون بعضهم ألصقه بالوزير والبعض الآخر اتهم الخليفة والحقيقة أن كليهما اشترك في المأساة التي تنازعت عليها الخيانة من جانب الوزير والاستهتار من جانب الخليفة فكلاهما مسئول

لقد أحدث سقوط بغداد عاصمة الخلافة فزعًا في العالم الإسلامي وخاصة الدول المجاورة وبعد إسقاط عاصمة الخلافة جهز المغول جيشًا للزحف على الشام وبسقوطها في أيديهم لم يعد في العالم الإسلامي سوى مصر واليمن لم يخضع لسيطرتهم

والواقع أن هولاكو أثناء دخوله بلاد الشام أرسل رسالة تهديد ووعيد وإنذار لسيف الدين قطز حاكم مصر بالاستسلام وذكره بما حدث للدول المجاورة من قتل وتدمير وكيف استطاع المغول السيطرة على كل الدول المجاورة بفضل قوتهم وعددهم الكبير وكانت تلك طريقتهم التي اعتمدوا عليها في معظم حروبهم؛ خداع الدول بالاستسلام مقابل تجنب ويلات الحرب حتى إذا دخلوها أحدثوا فيها القتل والتدمير

اجتمع الملك المظفر سيف الدين قطز بقواده وعرض عليهم رسالة هولاكو واتفقوا جميعًا على المقاومة وقتل قطز رسل هولاكو

كان واقع الحال في مصر وقت المعركة يشير إلى أن المماليك لم يكن لديهم القوة لمواجهة المغول ولكن حدث ما قلب موازين المعركة وأرى في ذلك قدرًا قدَّره الله لمصر لتسحق المغول رغم ظروفها العصيبة؛ توفى الخان الأعظم حاكم منغوليا وحدث نزاع بين أبنائه على الحكم واضطر هولاكو إلى الرحيل إلى قره قورم العاصمة حتى لا يضيع حقه في كرسى الحكم كما أن أملاكه في إيران تعرضت لضغوط من ابن عمه الذى اعتنق الإسلام وقرر الانتقام من المغول بسبب التدمير الذى أحدثوه في العالم الإسلامي ولتجرأهم على عاصمة الخلافة بغداد ولم يرحل هولاكو وحده بل كان معه معظم جنوده ولم يترك سوى عشرة آلاف جندي بقيادة كتبغا في غزة

ارتكزت خطة قطز على شقين الأول : تعبئة البلاد لخوض المعركة عن طريق الدعاة والشعراء وإشعال الحماسة في نفوس الناس

الثانى: توحيد صفوف المماليك في الشام ومصر وبذلك أصبح المماليك كتلة واحدة في مواجهة المغول

خاض قطز المعركة بأسلوب متطور في السياسة العسكرية؛ قامت خطته على زحف الظاهر بيبرس ــ كبير قواده ــ على رأس قوة استطلاعية لدراسة الموقف على الأرض والبدء بالهجوم وكان ذلك نقيض ما يحدث من قبل حيث يتم تعزيز القوات والدفاع من خلف الأسوار وفوجئ المغول بتقدم بيبرس نحو غزة ولم يحدث لهم من قبل أن تقدم أحد إليهم بالقتال فهم دائمًا البادئون، وحدث تصادم بين الجيشين أدى إلى تقهقر المغول وانسحابهم من غزة وكان ذلك في شهر شعبان 658هـ

بعد هزيمة المغول ارتفعت الروح المعنوية لدى جنود سيف الدين قطز ثم تقدم بيبرس نحو عين جالوت أما قطز فقد ظهر بحامية المقدمة فقط أما بقية الجيش اختبأ في التلال فظن المغول أن هذا هو الجيش فقط وحدثت المناوشات بين الجيشين فتقهقر بيبرس إلى التلال وتبعه كتبغا بجيشه وكان ذلك من قبيل الخداع ليعتقد المغول أن بيبرس يفر من المعركة وهنا حاصر جيش قطز المغول من ناحية الخلف ومن الأمام وتمت هزيمة المغول وأُسر كتبغا وقتله على يد قطز وتم النصر في السادس والعشرين من رمضان المعظم 658هـ

وبذلك انتهت أسطورة الجيش المغولى الذى لا يُقهر بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل وحدة وتماسك مصر والشام لتصبح معركة عين جالوت معركة فاصلة في تاريخ مصر والعالم حيث حمت العالم الإسلامي وأوربا من شرورهم واحتفظت مصر بحضارتها ومدنيتها ولم يلحقها الدمار والتخريب الذى لحق الدول المجاورة وأصبحت القاهرة قبلة العلماء والأدباء

 

الأربعاء، 25 فبراير 2026

معارك رمضانية (1) معركة بدر الكبرى (رؤية جديدة)

رمضان هو الشهر الكريم الذى اصطفاه الله لنزول القرآن الكريم ولعبادة الصيام

"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)"

وهو أيضًا شهر الانتصارات العظيمة وأولها معركة بدر الكبرى التي حدثت في السابع عشر من رمضان في العام الثانى للهجرة

ولسنا في هذا العرض بصدد التأكيد على ما تنافست عليه كتب السيرة والتاريخ والواقع أن ما عرضته هذه الكتب منح أعداء الإسلام مادة خصبة للطعن في الإسلام والرسول الكريم وتنافس الكثيرون على الرد على الشبهات حول هذه الواقعة ولكنها دفاعات لا تسد أفواه النهمين للنهش في الإسلام إذ أنها لا تنفى ما اتخذه المستشرقون سبيلًا للنيل من الإسلام ولكنها دافعت عن المبدأ لتثبت وتؤكد ما قاله المغرضون

و نحاول هنا سرد الواقعة برؤية جديدة تتوافق مع تعاليم الإسلام وتتفق مع آيات القرآن الكريم وخاصة أن معركة بدر الكبرى اختصها الله بسورة كاملة هي سورة الأنفال

الرواية التاريخية:

تروى كتب السيرة والتاريخ أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بأمر قافلة تهبط من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب فانتدب الرسول الكريم أصحابه للخروج إلى القافلة والاستيلاء عليها وعلم أبو سفيان فأرسل إلى أهل مكة يستنجدهم دفاعًا عن أموالهم واستطاع أن يغير مسار القافلة وينجو بها ولم يظفر المسلمون بالقافلة وطلب أبو سفيان من قريش أن تعود ولكنهم أصروا على القتال لحفظ هيبتهم بين العرب ووقعت المعركة ونصر الله المؤمنين

الشبهات التي نتجت عن هذه الرواية:

ــ أن الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة سلكوا طريق السلب والنهب المعهود في الجاهلية وذلك لأن ظروفهم الاقتصادية كانت عسيرة ولذلك قرر النبى مهاجمة قوافل مكة

ــ نتج عن ذلك أنهم وصموا كل المعارك التي دارت بين الطرفين بأن هدفها الغزو والحصول على الغنائم

الرد على الشبهات من جانب بعض المؤرخين:

أن الهجوم على القافلة والتي يؤكدون أنها مقدمة لمعركة بدر كان هدفه استرداد المسلمين لأموالهم التي تركوها وراءهم في مكة وهاجروا صفر اليدين وبذلك أكدوا على واقعة الغزو

وردا على هذا الدفاع هو آيات كثيرة تتحدث عن الأمانة والأمانات والحقوق لا تسترد بالاعتداء (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون )

والرسول الأمين كانت مكة تتربص به أمام منزله ليلة الهجرة لقتله وأموالهم أمانة عنده وترك على بن أبى طالب في فراشه ليرد الأمانات ولم يحتفظ بها لنفسه رغم تربصهم به

والحقيقة أن القرآن الكريم كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكلام الوحيد الذى يُوصف أنه قطعى الثبوت لا جدال فيه وما سواه له وعليه وبناء على ذلك كان علينا تدبر يسير لآيات سورة الأنفال التي أوردت كل ما يتعلق بواقعة معركة بدر الكبرى

أسباب المعركة: سنعرض الآيات التي توضح أسباب المعركة

ــ " وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)"

ــ "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)"

ــ " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)"

ــ " إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)"

نستنتج من الآيات الكريمة السابقة أن أسباب المعركة هى:

ــ أن الكفار شاقوا الله ورسوله وصدوا عن سبيل الله وأراد الله أن يفرق بين الحق والباطل أي أن تكون المعركة فرقانًا بين الإيمان والكفر وأن تكون ذات الشوكة (القوة) للمسلمين وأراد الله أن يقطع دابر الكافرين وهذا ما حدث حيث قُتل في المعركة رؤوس الكفر مثل أمية بن خلف وابنه وأبى جهل وعتبة بن ربيعة وابنه وشيبة بن ربيعة وغيرهم ويبدو من الآيات أنهم أبرموا عهودًا مع الرسول ولم يحترموها و نقضوها وكل ذلك استدعى قتالهم ولا نجد كلمة أو تلميحًا واحدًا عن القافلة لأن ذلك يتعارض مع تعاليم الإسلام وصفات الرسول الكريم الذى أطلق عليه أهل مكة الصادق الأمين

الخلاصة أن معركة بدر كانت أمرًا من الله ليضع حدًا فاصلًا بين الإيمان والكفر ولردع الكفار الذين كانوا يتربصون بالمسلمين حتى بعد الهجرة والاستقرار في مكة

الأربعاء، 18 فبراير 2026

حكايات التاريخ حكاية اللغة المصرية القديمة (2)

حكايات التاريخ حكاية اللغة المصرية القديمة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن نشأة اللغة المصرية القديمة وكيف استطاع شمبليون فك رموز حجر رشيد لمعرفة اللغة المصرية القديمة ونستكمل حديثنا عن الخطوط المستخدمة والمراحل التي مرت بها

الخط الهيروغليفى:

هو أول الخطوط المستخدمة في اللغة المصرية القديمة وهذا المسمى (الهيروغليفى) يونانى مشتق من كلمتين هما هيروس ومعناها المقدس وغليفوس أو جليفوس ومعناها الخط أو النقش ومعنى ذلك أن الهيروغليفى يعنى الخط المقدس أو النقش المقدس وأعتقد أن النقش أدق فلماذا؟ لأن هذا الخط يُنقش على الحجارة وجدران المعابد والمقابر والألواح الحجرية وغلبت عليه روح التصوير والزخارف وكتبت به النصوص الدينية واستخدم في نقشه الأزميل ويقوم بذلك متخصصون في النقش

ظهر هذا الخط في أواخر العصر الحجرى الحديث وانتهى استخدامه في أواخر القرن الثانى الميلادى فكانت مدة استعماله أكثر من 4000عام ويعتبر الخط الهيروغليفى هو الخط الأطول عمرًا من بين الخطوط التي عرفتها اللغة المصرية القديمة

 الخط الهيراطيقى:

الاسم مشتق من هيراتيكوس وهى يونانية ومعناها الكهنوتى لأن الكهنة أكثر من استخدموا هذا الخط إلى جانب الاستخدام المجتمعى كتسجيل النصوص الدينية وبعض الشئون الحكومية ورسائل وآداب المصريين والعقود الهامة وكان خطًا مختصرًا وسريعًا وكان يُكتب على ورق البردى وخامة أخرى تسمى الأوستراكا وهى خامات تتناسب مع الخط الجديد الذى كُتِب بقلم البوص أو الحبر ونلاحظ هنا أن مصر ابتكرت مواد للكتابة كالبردى ولم يتم العثور على نصوص بهذا الخط قبل الأسرة الخامسة حيث عُثِر على ورق من البردى يحتوى نصوصًا بالخط الهيراطيقى في المعبد الجنائزى للملك ساحورع جنوب الجيزة

الخط الديموطيقى:

وهذا الاسم أيضًا يونانى وهو ديموتيكوس ويعنى شعبى وهذا لا يعنى أن الخط ارتبط بالطبقات الشعبية وإنما استخدم للمعاملات اليومية وهو خط سريع ظهر في القرن الثامن قبل الميلاد واستمر حتى القرن الخامس الميلادى وهو أكثر النصوص إبرازًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر وكتب على البردى والأوستراكا

وربما نتساءل الآن لماذا ظهرت كل هذه الخطوط؟!

أولًا: العمر الطويل للغة المصرية القديمة يسر لها مراخل لغوية وخطية مختلفة

ثانيًا: الصعوبات التي واجهت الكتابة الهيروغليفية من عملية نقل الحجارة للكتابة عليها ثم النقش الذى يحتاج إلى متخصصين والأخطاء في الكتابة تؤدى إلى الاستغناء عن الحجر أو ستر الأخطاء إذا كانت على جدران المقابر والمعابد ويتم ذلك بالجبس فاستدعى ذلك ظهور خطوط سريعة وسهلة

(الكتابة القبطية)التطور الأهم والأخطر في عمر اللغة المصرية القديمة:

الكتابة القبطية هى المرحلة الأخيرة من مراحل اللغة المصرية القديمة وليست نوعًا من الخطوط وليست لغة جديدة ولكنها مرحلة تطور في لغتنا القديمة

كلمة قبطى مشتقة من اليونانية إيجوبتى ومعناها مصر وهذا يعنى أن كلمة قبطى تعنى مصري إذن كلنا أقباط

ما هي الكتابة القبطية: من حيث  النطق كانت نطق اللغة المصرية القديمة التي يتكلم بها المصريون ولكنها تُكتب بحروف يونانية ومثال ذلك ما يحدث اليوم من تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى تُكتب بحروف إنجليزية ونطقها عربى والقبطية هي الكتابة الوحيدة من بين كل الخطوط المصرية التي استخدمت حروف الحركة لأول مرة فسهلت التوصل إلى أقرب نطق للغة المصرية القديمة 

لماذا ظهرت الكتابة القبطية؟

كان سبب ظهورها الغزو اليوناني لمصر فابتكر المصريون هذه الحيلة ليسهل التعامل مع اليونانيين ويتم الحفاظ على اللغة المصرية القديمة ونطقها وشاءت إرادة الله أن تكون هذه الكتابة بالحروف اليونانية جسرًا يعبر عليه شمبليون وغيره من الباحثين ليعرفوا اللغة المصرية القديمة وهكذا نرى أن الكتابة في مصر القديمة تنوعت بها الخطوط ولعل أبرزها وأصعبها في آن واحد الهيروغليفية التي عاشت على جدران المعابد والحجارة وأطول هذه الخطوط عمرًا

  

الخميس، 12 فبراير 2026

حكاية اللغة المصرية القديمة (1)



مصر مهد الحضارة ــ كما أثبت جيمس هنرى بريستيد ــ صنعت تاريخًا يمتد لآلاف السنين، حفر المصرى القديم تاريخه على الآثار التي تشهد بعظمة هذه الحضارة واستمرار آثارها حتى يومنا هذا

مر الإنسان بصفة عامة والمصرى بصفة خاصة في عصور ما قبل التاريخ بمرحلتين، المرحلة الأولى: جمع القوت عن طريق الصيد البرى أو البحرى أو النهرى أو التقاط الثمار التي تجود بها الطبيعة بعد هطول الأمطار

المرحلة الثانية: إنتاج القوت عن طريق الزراعة وتربية الحيوان وإشعال النار وهى المرحلة التي وصلت به إلى التغيير الهائل الذى لا ينقطع أبدًا

حققت الزراعة للمصرى الاستقرار ومن هنا بدأ يفكر ويتأمل ويطور الكون من حوله وجاء اختراع الكتابة تعبيرا عن هذا الاستقرار

 حينما عُرِفت الكتابة بدأ تدوين التاريخ وبدأت معه مرحلة جديدة في وعى الإنسان المصرى استطاع فيها التعبير عن نفسه وتدوين يومياته ثم إنجازاته واكتشافاته، فالكتابة إذن ثورة في تاريخ البشرية0

والحقيقة أن بداية التاريخ في مصر اختلفت عن غيرها في شتى بقاع الأرض فلماذا؟

يُعرف عصر بداية التاريخ مع بداية معرفة الكتابة ولو قلنا إن بداية التاريخ المصرى أو ما يُعرف بعصر الأسرات ويبدأ تحديدًا بعصر الأسرة الأولى التي بدأت بالملك مينا موحد القطرين فالحقيقة أن مصر كانت لديها محاولات للكتابة في فترة العصر الحجرى كما روى بعض الأثريين ومنهم فلندرز بترى الذى أكد أن العلامات التصويرية على الأوانى التي تنتسب إلى هذا العصر هي رموز كتابية وهذا يعنى أن المصريين كانوا يعرفون الكتابة في أواخر العصر الحجرى ولكنهم آثروا أن يبدأ تدوين التاريخ بعد توحيد البلاد

أشار المصريون إلى لغتهم بمسميات كثيرة منها (لسان مصر) (فم مصر) (كلام مصر) (كلام أهل مصر) كما عُرفت اللغة أيضًا باسم (كلام الإله) أو (الكلام المقدس)

كيف تم اكتشاف اللغة المصرية القديمة:

مع مجىء الحملة الفرنسية مصر صاحبها عدد من الباحثين اختصهم نابليون بدراسة كل شيء عن مصر وآثارها واستطاع الباحث الشاب شمبليون كشف رموز حجر رشيد وهو حجر من البازلت الأسود تنوعت الكتابات عليه بخطوط الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية  ولا بد هنا من تصويب خطأ شائع هو تسمية اللغة المصرية القديمة بالهيروغليفية والأدق أن اسمها (اللغة المصرية القديمة ) التي تنوعت فيها الخطوط ومنها الهيروغليفى والديموطيقى والهيراطيقى والقبطى وهذا يعنى أن الهيروغليفى نوع من الخطوط والقبطى أيضا نوع من الخطوط وليس كما يعتقد البعض لغة ويطلقون عليها اللغة القبطية

نعود إلى حجر رشيد وبداية معرفة اللغة المصرية القديمة وكشف غموضها كان على شامبليون أن يواجه ثلاثة افتراضات وهى:

الأول: أن الخطوط الثلاث (الهيروغليفى والديموطيقى واليونانى) ثلاثة نصوص مختلفة من حيث المضمون أم أنها تمثل موضوعًا واحدًا كتب بالخط الرسمى (الهيروغليفى) وخط الحياة اليومية في تلك الفترة (الديموطيقى) وخط (اليونانيين) الذين احتلوا مصر في ذلك الوقت

الثانى: يتعلق ببنية الكلمات المصرية على أبجدية محددة وأحرف محددة أم كُتبت بعلامات تراوحت قيمتها الصوتية بين حرف أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر

الثالث: هل عرفت الكتابة المصرية القديمة الحروف المتحركة وهل العلامات تصويرية أم صوتية وتساؤلات كثيرة يبدأ بها الباحث عمله دائمًا

استطاع شامبليون قراءة النص اليوناني وفهمه وأدرك بخبرته أن الخط القبطى والذى يُكتب بحروف يونانية وهو آخر مرحلة من مراحل الكتابة المصرية القديمة سيكون جسرًا يعبر عليه لمعرفة اللغة المصرية القديمة عن طريق المقارنات بين الكتابة بالخط القبطى والخطوط الثلاث الأخرى وهذا ما حدث بالفعل

في عام 1822م أعلن شامبليون أنه استطاع فك رموز حجر رشيد ومعرفة اللغة المصرية القديمة وكان شامبليون هو من وضع الأساس الأول لمعرفة اللغة المصرية القديمة وتبعه العديد من الباحثين وباكتشاف اللغة المصرية القديمة أمكن كشف النقاب عن التاريخ المصرى القديم وتأسيس علم المصريات

وكما قلنا أن اللغة المصرية تنوعت فيها الخطوط وسيكون التعريف بهذه الخطوط وقيمتها وسبب تنوعها موضوع حديثنا القادم بإذن الله تعالى

 

  

  

الخميس، 5 فبراير 2026

حكاية الصحافة (6)

البعكوكة:

تدور حكايتنا اليوم عن جريدة البعكوكة أبرز صحف الفكاهة وأكثرها تميزًا حيث كتب لها الاستمرار لفترة طويلة من الزمن وخلف هذا الاستمرار قصة نرويها في هذا المقال

مؤسس البعكوكة أسطورة إدارية:

بطل هذه القصة هو مؤسس الجريدة يراه البعض أسطورة في مواجهة كل الصعوبات التي تصارع معها واستطاع أن يكفل لهذه الجريدة التميز والبقاء إنه محمود عزت منشئ البعكوكة

واسمه الحقيقى محمود أمين خطاب والسبب في تغيير اسمه أنه في صغره انغمس في العمل السياسى وعمل مع الحركات السياسية السرية في عهد الملك فؤاد وأدى ذلك إلى تورطه في قضية سياسية واستطاع الهرب إلى السودان حيث عاش فترة قاسية واستطاع فيها جمع مبلغ زهيد عاد به إلى مصر في بداية عام 1930م وغير اسمه إلى محمود عزت المفتى تفاديًا لإزعاج السلطات المصرية له

بعد عودته استثمر المبلغ الزهيد الذى جمعه في إنشاء محل لبيع الأسطوانات وإلى جانب هذه التجارة عمل مندوبًا لإحدى شركات التأمين وكان يدخر من عمله لتحقيق حلم آخر

مع غزو الراديو البيوت المصرية أدرك المفتى أن الراديو سيقضى على الأسطوانات وستنتهى معها تجارته فقام بتأسيس شركة لتوزيع الجرائد والمجلات يقوم هو بتوزيع الجرائد والمجلات على دراجة خاصة به وهنا ابتكر نظام جديد في توزيع الصحف كان يطلب من المشتركين أن يرسلوا إليه قيمة الاشتراك لأى جريدة في حوالة بريدية على عنوانه ويأخذ قيمة الاشتراك أقل مما تطلبه المجلات والصحف ثم يشترى المجلات والجرائد بكميات كبيرة بخصم يحصل عليه بسبب كثرة الصحف التي يشتريها ويقوم بتوصيل الجرائد والمجلات للمشتركين بنفسه وكان يحصل على الربح من قيمة الاشتراكات التي يحصل عليها كاملة ونسبة التخفيض من الجرائد

تأسيس البعكوكة:

وحينما توفر لديه المال حقق حلمه بإصدار الجريدة التي تزامن ظهورها مع افتتاح الحكومة المصرية الإذاعة اللاسلكية  فقرر الاستفادة من ذلك الحدث وقام بتسمية الجريدة في البداية الراديو وكان ذلك عام 1934م

كانت الجريدة تنشر النكات والفكاهة والأزجال وأشعار العامية وبرنامج الإذاعة كاملا لمحطة الإذاعة الوحيدة وكان ذلك يجذب عددًا كبيرًا من القراء وكان شعار الجريدة ( البعكوكة جريدة عصبية تصدر حسب التساهيل لسان حال الغلابة اللى زيى وزيك )

تُعد البداية الحقيقية للبعكوكة عام 1937م حينما انضم إليها محرر مهم هو طه حراز وكان يحرر بابًا أسماه على كيفك يكتب فيه عن شخصيات فكاهية من ابتكاره مثل (أم سحلول) (دكتور مكسوريان) (خريج كلية درب المكسحين) (غنى حرب) (مغامرة هواش بن بكاش) (عثمان عبد الباسط) وقد عاشت هذه الشخصيات لسنوات طويلة وزاد باب على كيفك من توزيع الجريدة فقرر مالك الجريدة تغيير اسم الباب إلى البعكوكة ثم أطلق على الجريدة الراديو والبعكوكة وبمرور الوقت صار اسمها البعكوكة وزاد هذا الاسم من شهرتها

البعكوكة والإعلانات:

يرى الكثيرون أن الإعلانات هي العمود الفقرى لأى صحيفة بل إن صحفًا غير قليلة تبسط للإعلانات مساحات أوسع مما تبسطه للمواد التحريرية أما البعكوكة فكانت على النقيض تضع القارئ أول اهتماماتها كان المفتى صاحب البعكوكة يبسط للإعلانات مساحات محدودة جدا بل كانت الجريدة الوحيدة التي ليس لها مندوب إعلانات وكان المعلنون يلهثون وراء مالكها لنشر إعلانات بالجريدة لانتشارها وكانت وجهة نظر مالكها أن المساحة الإعلانية يمكن وضع مادة تحريرية تجذب قراءً جددًا وحينما زادت إيرادات الجريدة من التوزيع ومن الإعلانات قرر المفتى أن يخطو خطوة جديدة وفريدة لم يسبقه إليها أحد قرر إلغاء الإعلانات ورغم معارضة كثير من المحررين لخطورة هذا القرار إلا أن الأيام أثبتت صحة قراره لقد ارتفع توزيع الجريدة دون إعلانات مما دفعه أن يضع عنوانًا بالجريدة يقول: (هذه الجريدة لا تقبل إعلانات مطلقًا لا تجارية ولا شخصية ولا حكومية)

سر نجاح البعكوكة:

وسر نجاح البعكوكة كثرة أبواب الجريدة فكان لكل قارئ الباب الذى يحبه وكان من الأبواب التي استحدثها في الجريدة  (أغانى طلبها القراء) وربما كان برنامج ما يطلبه المستمعون اقتدى بهذه الفكرة وكان في هذا الباب ينشر كلمات الأغنية التي طلبها القراء من خلال مراسلة الجريدة وينشر اسم القارئ كما أدخل على الجريدة المسابقات وهو باب يجذب القراء ومع تنوع الأبواب وكثرتها ارتفع توزيع البعكوكة وانتشرت واستمرت لسنوات كثيرة بدون إعلانات ثم عادت فكرة الإعلانات ولكن بمساحة محدودة لا تطغى على مساحة التحرير

وهكذا كان القارئ هو مقياس النجاح للصحيفة لا الإعلان ولا الدعم الحكومى

 

 

الأربعاء، 28 يناير 2026

حكايات التاريخ حكاية الصحافة (5)

 

تابع صحافة الفكاهة:

تحدثنا في المقال السابق عن نشأة الصحافة الفكاهية وكانت مصر هي من ابتكرت هذا اللون من الصحافة وقد ارتبط بالسخرية من المستعمر وفضح الفساد بأسلوب ساخر وتعتبر صحافة الفكاهة هي الصحافة التي انفردت باستخدام العامية في كتاباتها

في عام 1928م أصدر بديع خيرى مجلة فكاهية اسمها( 1000صنف) وكانت أسبوعية وكانت من القطع المتوسط في 24 صفحة تميزت بأبيات زجلية على غلاف العدد فيها دعوة إلى الإقبال على الحياة والتفاؤل ونبذ الهموم جاء فيها:       الدنيا دى زى العقرب     اضربها صرمة تعيش مرتاح

كان بديع خيرى يحررها بمفرده ولكنها احتجبت بعد انشغاله بالكتابة للسينما والمسرح

في عام 1930م خرجت جريدة ( المطرقة ) ومؤسسها أحمد شفيق في عهد رئيس الوزراء صدقى باشا وكانت مجلة فكاهية من القطع الطويل وكانت لسانًا شعبيًا لحزب الوفد حزب الأغلبية تنشر الفكاهات والأزجال وتسخر من حكومة صدقى باشا وتساند النحاس زعيم حزب الوفد وكان صاحبها يحرص على التقاط صور له مع النحاس وهو يتصفح الجريدة وكان ذلك يزيد من انتشار الجريدة خاصة حينما تصادر الحكومة أعدادًا للصحيفة أو تلقى القبض على رؤساء تحريرها

أهم الأبواب التي تنشرها المطرقة: (حديث خالتى أم إسماعيل) و(المشعلقات) و(المشهورات) و(القهوة البلدى) (وع الأرغول) و(ميدان الزجل) وكان بها تعليق على الأخبار ولكن كانت أبوابها ثابتة فلم تطور من نفسها واصابها الجمود حتى توقفت عن الصدور

في عام 1934م أصدر الصحفى حينها والمخرج السينمائى فيما بعد حسين فوزى مجلة (1000نكتة  ) من الإسكندرية كانت مجلة صغيرة الحجم موجهة للأطفال والصبيان أكثر من الكبار واهتمت بنشر القصص الخيالية ولم تستمر

في عام 1935 خرجت مجلة (روزاليوسف) على حزب الوفد واعُتبر هذا موقفًا ضد التيار فقد كان الشعب المصرى حينها وفديًا لذا تأثر توزيعها ورغم ذلك يُعد هذا موقفًا شجاعًا نبيلًا صمدت فيه رغم الخسائر إيمانًا بالفكرة حيث كانت هي الجريدة الوحيدة المعارضة لحزب الوفد ونذكر هنا أيضا أنها فى فبراير من ذات العام أصدرت أول عدد يومى للجريدة وواجهت صعوبات كثيرة لانتقادها حزب الوفد في هذه الظروف حسبما يروى الأستاذ عبد الله أحمد عبد الله في كتابه (الصحافة الفكاهية في مصر) أن روزاليوسف استحدثت بعد عامين مجلة فكاهية أطلقت عليها اسم (مخلب القط) كان يقوم بتحريرها وحده الأستاذ وليم باسيلى وكان اسم المجلة سخرية من مقالات يكتبها نجيب الهلالى باشا أخر رئيس وزراء فيما بعد في حكومة االملك قبل قيام ثورة يوليو 1952م وكان وليم باسيلى يقلد مقالات الهلالى بأسلوب فكاهى ساخر معارضًا لسياسة الوفد وأدت المجلة الجديدة إلى رواج المجلة الأساس (روزاليوسف)

وأدت مقالات باسيلى إلى سجنه في النهاية واستطاع الهرب قبل التحقيق معه وحينما أدت مخلب القط مهمتها بنجاح توقفت عن الصدور بتوقف مقالات الهلالى باشا

في عام 1938م عقب عودة بيرم التونسى من المنفى أصدر مجلة فكاهية بعنوان (ياهووه) تميزت بسخريتها اللاذعة ولم تستمر طويلًا لقيام الحرب العالمية الثانية وانخراط بيرم للكتابة للسينما والمسرح

والملاحظ هنا أن المجلات الفكاهية لم يُكتب لها الاستمرار طويلًا سواء المجلات التي تحدثنا عنها أو المجلات التي لم يتم ذكرها في هذه السلسلة من المقالات ولكن جريدة واحدة هي التي كُتب لها الاستمرار وارتبطت نشأتها بحدث هام في تاريخ المصريين وهى موضوع المقال القادم بإذن الله تعالى 

الخميس، 22 يناير 2026

حكاية الصحافة(4)

 

الصحافة الفكاهية

عُرف المصريون بخفة ظلهم وتفرد نكاتهم كما اشتهروا بسخريتهم اللاذعة في مواجهة الهموم والأحزان كدرع واقٍ يحميهم من تملك الهموم من نفوسهم فلا عجب أن تكون أول صحيفة للفكاهة عرفها الوطن العربى في مصر

في الحادى والعشرين من ربيع الأول عام 1295هـ الموافق عام 1877م أسس يعقوب صنوع (رائد المسرح الحديث) أول صحيفة فكاهية في مصر والمنطقة العربية تحت عنوان (أبو نظارة زرقاء) وتحت عنوان الصحيفة كتب عبارة جريدة مسليات ومضحكات ويبدو اسم الجريدة غريبًا

يعقوب صنوع

فما سبب تسميتها بهذا الاسم؟! حسبما يروى صنوع أنه اجتمع بصديقيه الشيخ الإمام محمد عبده والشيخ الأفغانى ببيت الأفغانى لاختيار اسم للجريدة لم يسفر الاجتماع عن شئ وبعد انصرافه اتجه لتأجير دابة ينتقل بها إلى بيته فتسابق مؤجرو الدواب للفوز بصنوع ليؤجر حماره واثناء ذلك كانوا ينادونه يا (أبو نظاره) ليلتفت إليهم فأعجب بهذا اللقب الذى رآه يشير إلى رجل بعيد الرؤية ملهم

تميزت جريدة أبى نظارة زرقاء بالكتابة باللهجة العامية المصرية وكان صنوع أول من استعملها في الصحف وكانت الصحيفة فكاهية ساخرة لاذعة تصدت بجرأة لكل مساوئ الخديوى إسماعيل وحينما استشعر الخديوى خطورتها تم إغلاقها ونُفى صنوع إلى باريس فاستمر يصدرها من باريس ثم أصدر عدة مجلات ساخرة فكاهية منها أبو زمارة، وأبو صفارة، والنظارات المصرية والحاوى وغيرها من المجلات الفكاهية

تُعد الثورة العرابية هي أبرز الأحداث في عهد الخديوى توفيق وقد انطلق الصحفيون والأدباء يدافعون عنها وكان من أبرزهم عبد الله النديم الذى أسس مجلة (النديم) وسط نيران الثورة المتأججة ويُعد عبد الله النديم شاعر وخطيب الثورة العرابية وكان لأسلوبها الساخر وفكاهاتها أثر كبير في تأييد الثورة العرابية التي تصدت للاحتلال البريطاني فانطلق الاحتلال يلاحق الصحفيين العرابيين واستطاع النديم الاختفاء في الريف متنكرا في ظل هذه الظروف أنشأ النديم مجلة أخرى ساخرة هي (التنكيت والتبكيت)

كانت لونًا مسليا للشعب المقهور واقتصرت على نشر الفكاهات وفيها نشأ فن (الأدباتى) وهو فن يعتمد على نظم الأشعار ولكن النديم ابتكر له مذهبًا ثابتًا لكل قصيدة يقول فيه:

أنا الأديب الأدباتى               ألم عيش تحت بطاطى

وألف أنشد وأهاتى               شرم برم حالى غلبان

                شرم برم حالى غلبان

في عام 1908م تم إصدار صحيفة فكاهية ساخرة تحمل اسم (البعبع) لمؤسسها رضوان فريد وكان المقصود من عنوان الجريدة إخافة مسئولي الحكم والإدارة المتعاونين مع المستعمر الإنجليزى وصدرت الصحيفة في الإسكندرية وكتب رئيس التحرير تحت عنوانها بيتان من الزجل هما:

جريدة هزلية لطيفة           فيها الفكاهات والأنكات

بقرش واحد تعريفة          آخر تمنها خد وهات

اشتملت الصحيفة على مقالات وتعليقات وآراء شتى ذات مغزى ضاحك وساخر من أحوال البلاد والعباد وانتشار الفساد بين ربوع مصر وإهمال الحكام شئون الشعب واحتياجاته اليومية الضرورية من السلع والمرافق في العد السابع من الصحيفة في عامها الأول بتاريخ 18 ديسمبر عام 1908م ورد مقال تحت عنوان (الإنسانية والحيوانية والواجبات الوطنية) ولكن البعبع لم تؤثر في المسئولين لاستمرار الحال على ما هو عليه

وهنا يتوقف حديثنا عن الصحافة ولا ينتهى فللحديث بقية بمشيئة الله

حكايات التاريخ معارك رمضانية (3) معركة العبور العظيم

تحدثنا في المقال السابق عن معركة عين جالوت التي قضت على أسطورة جيش المغول الذى لا يُقهر وفى حديثنا اليوم عن معركة أكتوبر المجيدة ومعجزة ال...