مصر مهد الحضارة ــ كما أثبت جيمس هنرى بريستيد ــ صنعت تاريخًا يمتد لآلاف
السنين، حفر المصرى القديم تاريخه على الآثار التي تشهد بعظمة هذه الحضارة
واستمرار آثارها حتى يومنا هذا
مر الإنسان بصفة عامة والمصرى بصفة خاصة في عصور ما قبل التاريخ بمرحلتين،
المرحلة الأولى: جمع القوت عن طريق الصيد البرى أو البحرى أو النهرى أو التقاط
الثمار التي تجود بها الطبيعة بعد هطول الأمطار
المرحلة الثانية: إنتاج القوت عن طريق الزراعة وتربية الحيوان وإشعال النار
وهى المرحلة التي وصلت به إلى التغيير الهائل الذى لا ينقطع أبدًا
حققت الزراعة للمصرى الاستقرار ومن هنا بدأ يفكر ويتأمل ويطور الكون من
حوله وجاء اختراع الكتابة تعبيرا عن هذا الاستقرار
حينما عُرِفت الكتابة بدأ تدوين
التاريخ وبدأت معه مرحلة جديدة في وعى الإنسان المصرى استطاع فيها التعبير عن نفسه
وتدوين يومياته ثم إنجازاته واكتشافاته، فالكتابة إذن ثورة في تاريخ البشرية0
والحقيقة أن بداية التاريخ في مصر اختلفت عن غيرها في شتى بقاع الأرض فلماذا؟
يُعرف عصر بداية التاريخ مع بداية معرفة الكتابة ولو قلنا إن بداية التاريخ
المصرى أو ما يُعرف بعصر الأسرات ويبدأ تحديدًا بعصر الأسرة الأولى التي بدأت
بالملك مينا موحد القطرين فالحقيقة أن مصر كانت لديها محاولات للكتابة في فترة العصر
الحجرى كما روى بعض الأثريين ومنهم فلندرز بترى الذى أكد أن العلامات التصويرية
على الأوانى التي تنتسب إلى هذا العصر هي رموز كتابية وهذا يعنى أن المصريين كانوا
يعرفون الكتابة في أواخر العصر الحجرى ولكنهم آثروا أن يبدأ تدوين التاريخ بعد
توحيد البلاد
أشار المصريون إلى لغتهم بمسميات كثيرة منها (لسان مصر) (فم مصر) (كلام
مصر) (كلام أهل مصر) كما عُرفت اللغة أيضًا باسم (كلام الإله) أو (الكلام المقدس)
كيف تم اكتشاف اللغة المصرية القديمة:
مع مجىء الحملة الفرنسية مصر صاحبها عدد من الباحثين اختصهم نابليون بدراسة
كل شيء عن مصر وآثارها واستطاع الباحث الشاب شمبليون كشف رموز حجر رشيد وهو حجر من
البازلت الأسود تنوعت الكتابات عليه بخطوط الهيروغليفية والديموطيقية
واليونانية ولا بد هنا من تصويب خطأ شائع
هو تسمية اللغة المصرية القديمة بالهيروغليفية والأدق أن اسمها (اللغة المصرية
القديمة ) التي تنوعت فيها الخطوط ومنها الهيروغليفى والديموطيقى والهيراطيقى
والقبطى وهذا يعنى أن الهيروغليفى نوع من الخطوط والقبطى أيضا نوع من الخطوط وليس
كما يعتقد البعض لغة ويطلقون عليها اللغة القبطية
نعود إلى حجر رشيد وبداية معرفة اللغة المصرية القديمة وكشف غموضها كان على
شامبليون أن يواجه ثلاثة افتراضات وهى:
الأول: أن الخطوط الثلاث (الهيروغليفى والديموطيقى واليونانى) ثلاثة نصوص مختلفة
من حيث المضمون أم أنها تمثل موضوعًا واحدًا كتب بالخط الرسمى (الهيروغليفى) وخط
الحياة اليومية في تلك الفترة (الديموطيقى) وخط (اليونانيين) الذين احتلوا مصر في
ذلك الوقت
الثانى: يتعلق ببنية الكلمات المصرية على أبجدية محددة وأحرف محددة أم
كُتبت بعلامات تراوحت قيمتها الصوتية بين حرف أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر
الثالث: هل عرفت الكتابة المصرية القديمة الحروف المتحركة وهل العلامات
تصويرية أم صوتية وتساؤلات كثيرة يبدأ بها الباحث عمله دائمًا
استطاع شامبليون قراءة النص اليوناني وفهمه وأدرك بخبرته أن الخط القبطى
والذى يُكتب بحروف يونانية وهو آخر مرحلة من مراحل الكتابة المصرية القديمة سيكون
جسرًا يعبر عليه لمعرفة اللغة المصرية القديمة عن طريق المقارنات بين الكتابة
بالخط القبطى والخطوط الثلاث الأخرى وهذا ما حدث بالفعل
وكما قلنا أن اللغة المصرية تنوعت فيها الخطوط وسيكون التعريف بهذه الخطوط
وقيمتها وسبب تنوعها موضوع حديثنا القادم بإذن الله تعالى




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق